لم يكن الأخطل شاعرًا يقف عند باب السلطان ليطلب العطاء فحسب؛ فقد أصبح صوته جزءًا من خطاب الدولة الأموية، يمدح رجالها ويهاجم خصومها، مستندًا إلى موهبة لغوية تجمع جزالة اللفظ بفخامة الصياغة وحدّة الهجاء. ومن هذه المنزلة دخل معركة النقائض إلى جانب الفرزدق، فتحولت خصومته مع جرير إلى مواجهة أدبية تتشابك فيها المنافسة الشعرية بالعصبية القبلية والانحياز السياسي.

اسمه الحقيقي غياث بن غوث بن الصلت التغلبي، ويكنى بأبي مالك. ولد قرابة سنة 19 هـ، الموافقة لنحو 640 م، في أواخر خلافة عمر بن الخطاب. وينتمي إلى بني تغلب، وظل مسيحيًا طوال حياته، حتى وهو في قلب البلاط الأموي وقريب من الخليفة عبد الملك بن مروان.

هذه العناصر لا تقدم سيرة شخصية منفصلة عن شعرها؛ فالانتماء التغلبي، والهوية الدينية، والموقع في مجلس الحكم، والتحالف مع الفرزدق ضد جرير، كلها دخلت في بناء صورة الأخطل الأدبية. لذلك يصعب فهم هجائه بوصفه اندفاعًا فرديًا أو خصومة عابرة، إذ كان اللسان الشعري عنده يؤدي وظيفة سياسية وقبلية إلى جانب قيمته الفنية.

غياث بن غوث: الاسم الذي غلبه اللقب

تعود تسمية الأخطل، وفق الرواية الواردة في كتب السير والأدب، إلى موقف وقع له في صباه مع الشاعر كعب بن جعيل. فقد أظهر الغلام حدّة في الرد وسفاهة في القول، فقال كعب: «إن غلامكم هذا لأخطل». ومنذ ذلك الحين غلب اللقب على اسمه، حتى صار غياث بن غوث معروفًا به في تاريخ الشعر العربي.

تختلف المصادر في تفسير معنى اللقب. فمن اللغويين والرواة من جعله بمعنى «طويل الأذنين»، ومنهم من ربطه بالحمق، بينما رجح آخرون معنى السفيه فاحش القول. ولا يمكن الجزم بدلالة واحدة في ظل هذا الاختلاف، غير أن المعنى المتصل بحدّة اللسان يبدو أوفق بسياق القصة التي نسبت التسمية إلى رد صدر عنه في صباه.

لا ينبغي، مع ذلك، تحويل اللقب إلى حكم شامل على الشاعر أو اختزال تجربته في السباب. فالحدة التي أثارت انتباه كعب بن جعيل تحولت، مع نضج الموهبة، إلى أداة محسوبة في المدح والهجاء. ولم تعد المسألة مجرد سرعة في الرد، بل أصبحت قدرة على صوغ الموقف في عبارة قوية، وتوجيه الإهانة ضمن بناء شعري يهدف إلى تثبيت صورة الممدوح وإضعاف خصمه.

كما أن اللقب لم ينشأ بسبب مدحه بني أمية، بل سبق اتصاله الوثيق بالبلاط. وهذه التفرقة مهمة لأن شهرة الأخطل السياسية اللاحقة قد تدفع إلى قراءة كل تفصيل في سيرته من خلال علاقته بالخلفاء، مع أن اسمه الأدبي بدأ في محيط آخر، ومن واقعة متصلة بطباعه ولسانه.

وكان الأخطل شديد الفخر بقبيلته تغلب، وإن هجا بعض أفرادها في بداياته. وقد بقي الانتماء القبلي عنصرًا حاضرًا في موقعه داخل الصراعات الشعرية؛ فالشاعر الذي يتكلم باسمه لا ينفصل تمامًا عن الجماعة التي تمنحه مجال الفخر والحماية، كما تصبح خصومات القبائل مادة جاهزة يعاد تشكيلها في القصيدة.

هوية مسيحية في قلب البلاط الأموي

نشأ الأخطل مسيحيًا وبقي على ديانته حتى وفاته. وتشير المصادر إلى أن عبد الملك بن مروان عرض عليه اعتناق الإسلام، لكنه لم يقبل، معتذرًا بتمسكه بدينه وعاداته. ولا تسند مادة البحث القول بأنه أسلم في أواخر حياته؛ بل تؤكد استمراره على مسيحيته، على الرغم من منزلته الرفيعة لدى الخليفة.

وينسب إليه قوله:

وَلَستُ بِصائِمٍ رَمَضانَ طَوعاً
وَلَستُ بِآكِلٍ لَحمَ الأَضاحي

ورد البيت في ديوان الأخطل وكتب التراث الأدبي. وهو يعلن فيه اختلافه الديني بلغة مباشرة، من خلال نفي شعيرتين ظاهرتين. غير أن البيت وحده لا يكفي لبناء صورة كاملة عن تجربته الدينية؛ ودلالته الأوضح، في حدود المادة المتاحة، أنه لم يكن يخفي هويته أو يصوغها بعبارات ملتبسة.

تكشف مكانته في البلاط، مع بقائه على المسيحية، أن الصلة بين الشاعر والسلطة قامت أساسًا على كفاءته الأدبية ووظيفته السياسية. فقد احتاج البلاط إلى شاعر قادر على المدح والدفاع والهجوم، ووجد الأخطل في هذا الموقع مجالًا لتوسيع حضوره. ولا يعني ذلك أن الفوارق الدينية زالت، بل يدل على أن المنفعة الشعرية والسياسية أتاحت علاقة استمرت في عهد عبد الملك.

وبرع الأخطل كذلك في وصف الخمر، إلى جانب المدح والهجاء. غير أن إدراج هذا الغرض ضمن تجربته لا يبرر اختزال شعره كله فيه، كما لا يصح اتخاذه وحده مفتاحًا لتفسير حياته. فالمكانة التي احتلها ارتبطت، قبل كل شيء، بقدرته على بناء القصيدة الجزلة وتوجيهها داخل الصراع الأموي.

شاعر عبد الملك بن مروان

بلغ الأخطل ذروة مجده وحظوته في عهد عبد الملك بن مروان، الذي لقبه بـ«شاعر أمير المؤمنين». وقد عُد الشاعر الرسمي لبلاط الدولة الأموية، فصار المدح عنده تعبيرًا عن ولاء سياسي، لا مجرد ثناء على صفات فردية. وفي المقابل، اتخذ هجاؤه وجهته نحو خصوم الدولة، وإلى قبيلة قيس وجرير بوجه خاص.

منح القرب من الخليفة شعر الأخطل سلطة رمزية مضاعفة. فالكلمة الصادرة في مجلس الحكم لا تبقى مساجلة بين شاعرين، بل تصبح قابلة لأن تمثل موقف الجماعة الحاكمة. وهنا يظهر الفرق بين هجاء ينشأ من مشاحنة شخصية وهجاء يؤدي وظيفة عامة: الأول يستهدف الخصم لذاته، أما الثاني فيربطه بمعسكر سياسي أو قبلي ويسعى إلى النيل من صورته أمام جمهور أوسع.

ولا يعني وصفه بشاعر البلاط أن قصائده كانت بيانات سياسية مباشرة. فقيمتها الأدبية تقوم على قدرتها على تحويل الانحياز إلى بناء شعري: مدح يرفع شأن الأمويين، وهجاء يضعف خصومهم، وفخر يستدعي مكانة تغلب. لقد عمل الأخطل داخل منطق القصيدة العربية، لكنه وجه طاقتها نحو خدمة التحالف الذي منحه المنزلة والحظوة.

ومن أشهر قصائده رائيته «خف القطين»، التي جمع فيها مدح بني أمية وهجاء أعدائهم. وتفتتح بقوله:

خَفَّ القَطينُ فَراحوا مِنكَ أَو بَكَروا
وَأَزعَجَتهُم نَوىً في صَرفِها غِيَرُ

البيت وارد في ديوان الأخطل، وهو مطلع الرائية المشهورة. يبدأ الشاعر بصورة رحيل القوم واضطرابهم بفعل النوى وتقلباتها، قبل أن تتجه القصيدة إلى غرضها السياسي. ويكشف المطلع أن شعر البلاط لم يتخل عن الصياغة الشعرية الموروثة، بل وصل بين مشهد الرحيل وبين المدح والهجاء ضمن قصيدة واحدة.

وتكمن أهمية الرائية في هذا الجمع بين الفن والوظيفة. فمدح بني أمية لا يرد منفصلًا عن ذم أعدائهم؛ إذ يزداد الممدوح ارتفاعًا كلما انخفضت صورة الخصم. وبذلك يصبح التقابل أداة بنائية: طرف تُمنح له القوة والهيبة، وطرف يُدفع إلى موضع الضعف. وهو منطق سيظهر بوضوح أكبر في خصومة الأخطل مع جرير.

لم تظل مكانة الشاعر على الدرجة نفسها حتى نهاية حياته. وتشير بعض المصادر إلى ابتعاده عن البلاط في عهد الوليد بن عبد الملك. غير أن هذا التحول المتأخر لا يلغي أن صورته الأدبية الكبرى تشكلت في عهد عبد الملك، حين اقترن اسمه بالسلطة الأموية وبلغت قصائد المدح والهجاء عنده أوسع أثر سياسي.

مثلث النقائض والانحياز إلى الفرزدق

يشكل الأخطل مع جرير والفرزدق ما يعرف بمثلث الشعر الأموي وأقطاب فن النقائض. ولم يكن موقعه بينهما موقع الوسيط؛ فقد انحاز إلى الفرزدق ضد جرير، فدخل حلبة كانت مشتعلة أصلًا، وأضاف إليها ثقل شاعر البلاط ولسان تغلب.

يمكن الرجوع إلى سيرة الفرزدق: الفخر والأنساب والهجاء الثقيل لفهم الطرف الذي اختاره الأخطل حليفًا، وإلى ملف جرير: خفة العبارة وقوة الضربة في شعر الهجاء لفهم طبيعة الخصم الذي واجهه. غير أن تحالف الأخطل والفرزدق لم يمح خصوصية كل واحد منهما؛ فقد دخل الأخطل المعركة بلغته وموقعه السياسي وانتمائه التغلبي.

كانت الخصومة مدفوعة بعاملين متداخلين: العصبية القبلية، ومنها عداء تغلب لقيس، والانحياز السياسي المتصل بدعم الأمويين. لذلك لا يصح رد هجائه لجرير إلى أسباب شخصية بحتة. قد تمنح المواجهة المباشرة الخصومة حرارة إضافية، لكن الإطار الذي أبقاها سنوات يتجاوز انفعال الفرد إلى تنافس جماعات ومواقع.

في هذا السياق، لا يكون الشاعر متحدثًا عن نفسه وحدها. إنه يستدعي قبيلته وحلفاءه وممدوحيه، ويواجه خصمًا يمثل بدوره شبكة من الأنساب والانحيازات. ولهذا يحمل بيت الهجاء أثرًا اجتماعيًا أوسع من المخاطب المباشر؛ فالقصيدة تسعى إلى التأثير في السمعة العامة وإعادة ترتيب مراتب الجماعات داخل المخيال الذي تصنعه المنافسة.

ومع ذلك، ينبغي التعامل نقديًا مع لغة النقائض. فما تتضمنه من تحقير قبلي أو شخصي يعكس منطق الصراع في بيئتها، ولا يلزم القارئ المعاصر أن يتبنى أحكامها. قيمتها التاريخية لا تقوم على صحة الإهانات، بل على ما تكشفه من قوة الكلمة، ومن ارتباط السمعة بالشعر، ومن قابلية الانتماء القبلي لأن يتحول إلى مادة للصراع الرمزي.

كما تكشف النقائض أن الهجاء لم يكن هامشًا فكاهيًا في الأدب الأموي. فقد جمع بين الترفيه والمنافسة والدفاع السياسي، وأصبح ميدانًا لاختبار قدرة الشاعر على الرد وحماية صورة جماعته. وكان الأخطل مؤهلًا لهذا الميدان بما امتلكه من جزالة وفخامة وحدّة، وبما وفره له قربه من عبد الملك من حضور يتجاوز حلقات الشعر المحدودة.

الأخطل وجرير: صراع القول والسلطة والقبيلة

امتدت المعركة الهجائية بين الأخطل وجرير سنوات، وصارت محورًا رئيسيًا في صورة كل منهما. ولم يكن النصر فيها حكمًا نهائيًا يصدر مرة واحدة؛ فكل قصيدة تفتح مجالًا للرد، وكل ضربة لغوية تستدعي ضربة مضادة. ولهذا تقوم النقائض على الاستمرار، لا على إسكات الخصم بصورة قاطعة.

تُنسب إلى الأخطل، في خطابه لجرير، الأبيات الآتية:

يا شَرَّ مَن حَمَلَت ساقٌ عَلى قَدَمٍ
ما مِثلُ قَولِكَ في الأَقوامِ يُحتَمَلُ

ورد البيت منسوبًا إلى الأخطل في مصدر يحيل إلى «الأغاني» للأصفهاني، لكن درجة توثيقه في ملف البحث متوسطة؛ لذلك يلزم إبقاء النسبة في دائرة الاحتراز. ومع ذلك، تنسجم بنيته مع طبيعة المعركة: إدانة الخصم وإدانة قوله معًا، بحيث يصبح شعر جرير نفسه موضوعًا للهجاء.

لا يقدم البيت حجة عقلية ضد الخصم، بل يبني حكمًا انفعاليًا مكثفًا. يبدأ بنداء جارح، ثم ينتقل إلى القول إن كلام المخاطب لا يحتمل بين الأقوام. وهذه الإشارة إلى «الأقوام» ذات دلالة؛ إذ تنقل المواجهة من دائرة الشاعرين إلى فضاء الجماعات التي تسمع وتحكم وتتأثر.

هنا تظهر إحدى آليات هجاء الأخطل: لا يكتفي بوصف خصمه بصفة مذمومة، بل يحاول إسقاط قيمة كلامه. والشاعر في معركة النقائض لا يعيش بصفاته الشخصية وحدها، وإنما بقوة بيانه وقدرته على حماية قومه. فإذا صُور قوله على أنه غير محتمل، أصبح الهجوم موجهًا إلى الأداة التي تمنحه مكانته.

وكان جرير خصمًا لا يمكن إبعاده بمجرد هجاء واحد، كما أن تحالف الأخطل مع الفرزدق لم ينه المواجهة. لقد أسهم هذا التوازن في إطالة الحرب الأدبية: لكل طرف قدرة على الرد، ولكل واحد سند قبلي أو سياسي، والجمهور حاضر في خلفية المساجلة بوصفه المتلقي الذي يتقرر أمامه وقع القصيدة.

ومن الخطأ قراءة هذه المعركة بوصفها سجلًا موثوقًا لصفات الأشخاص والقبائل. فالهجاء يقوم على المبالغة والتشويه وانتقاء مواضع الضعف، ولا يقدم وصفًا محايدًا. الأنسب أن يقرأ بوصفه خطابًا صراعيًا يكشف استراتيجيات الإقناع والإيذاء الرمزي، بدل أن تُعاد أحكامه الجارحة كما لو كانت حقائق تاريخية.

كيف صنع الأخطل هجاءه؟

تصف المصادر شعر الأخطل بجزالة الألفاظ وفخامة الصياغة. والجزالة هنا ليست مجرد استعمال كلمات صعبة، بل إحكام العبارة بحيث تبدو ملائمة لمقام المدح السياسي والهجاء القبلي. أما الفخامة فتمنح القول نبرة عالية، حتى حين ينتقل من تعظيم الممدوح إلى تحقير الخصم.

تقوم فعالية هجائه على المباشرة، لكنه لا يكتفي بالشتيمة المفردة. ففي البيت المنسوب إليه في هجاء جرير يبدأ الحكم من شخص المخاطب، ثم يمتد إلى قوله وموقعه بين الأقوام. هذا التوسع يحول الإهانة من وصف عابر إلى محاولة لإسقاط المكانة الأدبية والاجتماعية.

ويعمل التقابل بوصفه وسيلة مركزية في شعره السياسي. حين يمدح الأمويين ويهجو أعداءهم في القصيدة نفسها، لا يبقى الغرضان منفصلين؛ فصورة القوة تحتاج إلى صورة مضادة للضعف، وصورة الاستحقاق تقابلها صورة الحرمان منه. وبهذا يؤدي الهجاء دورًا في بناء المديح، كما يؤدي المديح دورًا في زيادة أثر الهجاء.

أما السخرية اللاذعة فتنبع من ضغط الصفات السلبية في عبارة قابلة للحفظ والتداول. ولم يكن مطلوبًا من بيت النقائض أن يقدم تحليلًا مطولًا؛ قوته في أن يصنع حكمًا سريعًا يعلق بالذاكرة. غير أن هذه القابلية للتداول هي نفسها ما يجعل أثر الهجاء الاجتماعي مؤذيًا، لأنها تنقل التحقير من مجلس الشاعر إلى الجمهور.

وتكشف رائية «خف القطين» جانبًا آخر من صناعته. فالشاعر القادر على الهجاء المباشر يبدأ قصيدته بصورة الرحيل وتبدل النوى، بما يدل على أن قوته لا تنحصر في الضربة الجارحة. لقد جمع بين بناء القصيدة وصياغة الموقف، وبين حركة الصورة في المطلع والوظيفة السياسية في المدح والهجاء.

كما أن تعدد أغراضه بين المدح والهجاء ووصف الخمر يمنع تصنيفه على أنه صاحب نبرة واحدة. غير أن هذه الأغراض تلتقي في قوة الصياغة ووضوح الصوت الشعري. ففي المدح يتكلم من موقع القرب من السلطة، وفي الفخر من موقع الانتماء إلى تغلب، وفي الهجاء من موقع الخصم الذي يريد أن يفرض تعريفه للآخر.

ولا يمكن فصل هذه الخصائص الفنية عن شروط تلقيها. فمكانته في البلاط منحت قصيدته جمهورًا ونفوذًا، لكن النفوذ وحده لا يصنع شاعرًا باقيًا في كتب الأدب. الذي حفظ اسمه هو اجتماع الوظيفة السياسية مع المهارة الشعرية؛ ولو غابت الثانية، لبقيت النصوص شواهد ظرفية لا جزءًا بارزًا من تاريخ النقائض.

الدلالة التاريخية والاجتماعية لتجربته

توضح تجربة الأخطل أن الشعر في العصر الأموي كان قادرًا على العمل داخل السياسة من غير أن يفقد بنيته الأدبية. فالخليفة يمنح الشاعر منزلة ولقبًا، والشاعر يرد بمدح الدولة وهجاء خصومها. وهذه علاقة تبادل، لكنها ليست متكافئة تمامًا؛ فالسلطة تملك الحظوة، في حين يملك الشاعر القدرة على تشكيل السمعة في اللغة.

وتقدم هويته المسيحية جانبًا مهمًا من هذه الصورة. فقد ظل على دينه مع احتفاظه بقربه من عبد الملك ولقب «شاعر أمير المؤمنين». ولا يمكن بناء تصور شامل عن المجتمع الأموي من حالة واحدة، لكن حالة الأخطل تبين أن الموهبة والتحالف السياسي أمكنهما فتح موضع مؤثر لشاعر يعلن اختلافه الديني.

أما انحيازه للفرزدق ضد جرير فيوضح كيف تتقاطع القبيلة بالدولة. فالأخطل لا يهجو جرير لأنه منافس موهوب فقط، بل لأن المعركة محكومة كذلك بتوترات قبلية وسياسية. ومن ثم تصبح النقائض وثيقة أدبية عن الصراع على المكانة، شرط ألا تؤخذ مبالغاتها وإهاناتها بوصفها سجلًا تاريخيًا محايدًا.

وتساعد المقارنة بتاريخ الهجاء على إدراك خصوصية موقعه. فقد عرف الشعر العربي هجاء الأفراد والجماعات، كما يظهر في ملف الحطيئة: الشاعر الذي هجا الناس وهجا نفسه، لكن الأخطل اقترن على نحو وثيق ببلاط الدولة الأموية وبالمثلث الذي جمعه بجرير والفرزدق. لذلك اكتسب هجاؤه وزنًا سياسيًا مباشرًا إلى جانب وظيفته القبلية.

تكشف سيرته كذلك عن حدود المجد المرتبط بالبلاط. فقد بلغ أرفع حظوته في عهد عبد الملك، ثم تشير بعض المصادر إلى ابتعاده في عهد الوليد. وهكذا تبدو منزلة الشاعر قابلة للتغير بتغير علاقته بمركز الحكم، بينما يستمر أثر القصيدة بعد انقضاء الظرف الذي منحها حضورها الأول.

السنوات الأخيرة وإرث الأخطل

تختلف المصادر في سنة وفاة الأخطل. فبعضها يذكر سنة 89 هـ، الموافقة لـ708 م، وبعضها يرجح سنة 92 هـ، الموافقة لنحو 710 م، بينما تذهب مصادر أخرى إلى سنة 95 هـ. لذلك يمكن وضع وفاته في العقد التاسع من الهجرة، من غير الجزم بسنة محددة.

ويختلف الرواة كذلك في مكان الوفاة. تشير بعض المصادر إلى دمشق، في حين ترجح مصادر أخرى، ومنها الموسوعة العربية، أنه توفي بين قومه في الجزيرة الفراتية بعد ابتعاده عن البلاط في عهد الوليد بن عبد الملك. ولا تتيح مادة البحث حسم هذا الخلاف.

أما ما يمكن تقريره بثقة، فهو أن الأخطل ترك موقعًا واضحًا في الشعر الأموي: شاعرًا لبني أمية، وقطبًا في النقائض، وحليفًا للفرزدق، وخصمًا طويل المراس لجرير. ولم تتكون هذه المكانة من عنصر منفرد، بل من التقاء موهبته اللغوية بانتمائه القبلي وصلته السياسية وهويته التي لم يتخل عنها.

لا يحتاج إرثه إلى تكرار أحكام الهجاء أو تبني منطقه القبلي. الأجدى أن يقرأ شعره باعتباره شاهدًا على ما تستطيع اللغة فعله حين تدخل مجال السلطة والمنافسة: ترفع ممدوحًا، وتجرح خصمًا، وتمنح جماعة صوتًا، ثم تبقى بعد أن تتغير المجالس والتحالفات. في هذا التوتر بين القصيدة والسياسة تتحدد فرادة الأخطل وسبب استمرار حضوره.

المصادر والمراجع

  1. حسن المقداد، كيف نجا الأخطل الكبير؟، الميادين نت، 10 يناير 2022، الموقع الإلكتروني.
  2. الأخطل، الموسوعة العربية، الموقع الإلكتروني.
  3. محمد برادة، الأخطل وعبد الملك، الأنطولوجيا، 21 يوليو 2023، الموقع الإلكتروني.
  4. فالح الحجية، الشاعر الأخطل التغلبي، المجلس العلمي، 14 سبتمبر 2014، الموقع الإلكتروني.
  5. شوقي ضيف، شعراء النقائض، تاريخ الأدب العربي، نسخة منشورة عبر مواقع أكاديمية، 19 يوليو 2021، الموقع الإلكتروني.