لم يكن سؤال بيرم التونسي عن ثمن حبة الفجل تفصيلًا هزليًا عابرًا. ففي المسافة بين المليم الذي يدفعه المشتري، والعيال الذين ينتظرون القوت، والمجلس البلدي الذي يقتطع الضريبة، بنى الشاعر مشهدًا كاملًا لاختلال العدالة. اختصر الاقتصاد في لقطة من السوق، وحوّل الحساب اليومي إلى اتهام سياسي. هكذا صار الهجاء عنده أكثر من سلاح لتصفية الخصومات: صار لغةً يفهم بها الشارع ما يقع عليه من سلطة وضرائب وإقصاء.
دفع بيرم ثمن هذه اللغة حين انتقل من نقد الإدارة المحلية إلى مهاجمة الأسرة الحاكمة. نُفي، وعاد متخفيًا، ثم نُفي مرة أخرى، وتنقل بين أوطان لم تمنحه استقرارًا كاملًا. غير أن المنفى لم يفصل تجربته السياسية عن تجربته الفنية؛ فقد جعل الانتماء نفسه موضوعًا للزجل، ثم عاد ليكوّن شراكات مؤثرة مع سيد درويش وأم كلثوم وزكريا أحمد. وفي هذا المسار تبدو العامية عنده وسيلةً للنفاذ إلى البنية الاجتماعية، لا تنازلًا عن قوة الشعر.
ابن الإسكندرية وهوية مؤجلة
الاسم الحقيقي لبيرم التونسي هو محمود محمد مصطفى بيرم الحريري. وُلد في الإسكندرية لعائلة ذات أصول تونسية، ولذلك لا يصح القول إنه وُلد في تونس. تختلف المصادر في اليوم المحدد من ميلاده خلال مارس 1893؛ فبعضها يذكر 23 مارس، بينما يذكر بعضها الآخر 12 مارس. كما تختلف في تحديد موضع مولده داخل الإسكندرية بين حيي الأنفوشي والسيالة، ولا يمكن الجزم بأحدهما اعتمادًا على المادة المتاحة.
هذا الأصل العائلي صار لاحقًا جزءًا من مفارقة قاسية. فالشاعر المولود في الإسكندرية نُفي من مصر بوصفه تونسي الأصل، ثم واجه في تونس جحود الأهل كما عبّر في زجله، قبل أن يعيش الغربة في فرنسا. لم تكن الهوية، في تجربته، تعريفًا ثابتًا تمنحه الأوراق أو القرابة، بل سؤالًا يتجدد كلما أُبعد من مكان أو أُغلق في وجهه باب.
تأخر الاعتراف القانوني بانتمائه المصري حتى عام 1954، حين حصل على الجنسية المصرية في عهد ثورة 23 يوليو. تكشف هذه الواقعة عن فجوة واضحة بين الانتماء الذي تصنعه اللغة والحياة اليومية، والانتماء الذي تعترف به الدولة. فقد كان بيرم يكتب من داخل المجتمع المصري وعن أسواقه وسلطاته ولهجته، بينما ظلت جنسيته الرسمية معلقة عقودًا.
ولعل هذه المسافة بين القرب الاجتماعي والهشاشة القانونية تفسر جانبًا من حساسيته تجاه السلطة. لم يكن يراقب الإدارة والملكية من موقع آمن؛ كان قابلًا للإبعاد بقرار سياسي. ومن ثم امتزج في هجائه الدفاع عن الناس بالدفاع عن حقه الضمني في الكلام والبقاء.
المجلس البلدي: الضريبة كما يراها بائع الفجل
كتب بيرم قصيدة «المجلس البلدي» عام 1919 منتقدًا الضرائب المجحفة التي فرضها مجلس بلدي كانت الهيمنة فيه للإنجليز على أصحاب المحال والباعة في الإسكندرية. ومن المهم فصل هذا النص عن هجائه اللاحق للملك؛ فالقصيدة موجهة إلى الإدارة المحلية وسياساتها المالية، لا إلى الأسرة الحاكمة مباشرة.
يا بائع الفجل بالمليم واحدةً ..
كم للعيال وكم للمجلس البلدي؟
بيرم التونسي، قصيدة «المجلس البلدي» (1919).
تنبع قوة البيت من أنه لا يبدأ ببيان سياسي، بل بنداء إلى بائع صغير. يختار بيرم سلعة متواضعة وثمنًا بالغ الضآلة، ثم يقسم هذا الثمن بين حاجتين غير متكافئتين: عيال البائع ومجلس المدينة. السؤال ساخر في ظاهره، لكنه يكشف أن الضريبة لا تُؤخذ من فائض الثروة، بل تزاحم الغذاء القليل الذي تنتظره الأسرة.
كلمة «كم» مكررة على نحو يجعل المحاسبة نفسها أداة هجاء. فالشاعر لا يطلق حكمًا مجردًا عن الظلم، وإنما يطالب بتوزيع المليم حسابيًا: أي مقدار يبقى للعيال بعد اقتطاع حصة المجلس؟ ولأن المليم لا يحتمل قسمة عادلة بين الطرفين، يصبح السؤال جوابًا ضمنيًا؛ النظام المالي الذي يحتاج إلى جزء من هذا القليل يحمل خلله في صورته الحسابية.
يتجه الخطاب إلى البائع، لكن المسؤول الحقيقي هو المجلس. هذه الإزاحة تمنح البيت طبيعته الشعبية؛ فالمتلقي يرى السلطة من أسفل، عبر أثر قرارها في كسب شخص بعينه. ولا يحتاج النص إلى مصطلحات اقتصادية كي يبين العلاقة بين الجباية والفقر. إنه ينقل السياسة من المكاتب إلى عربة البائع، ويقيسها بما يبقى للعيال.
بهذا المعنى يختلف هجاء بيرم عن الهجاء القائم على النيل من الصفات الشخصية وحدها. المقارنة مع تراث مثل خفة العبارة وقوة الضربة عند جرير مفيدة لفهم التكثيف، لكن ضربة بيرم هنا موجهة إلى مؤسسة وآلية تحصيل. كما أن حضور البائع يجعل الجمهور جزءًا من بنية النص، لا مجرد مستمع إلى مبارزة بين شاعرين.
من نقد الإدارة إلى الصدام مع الملك
ازدادت كلفة الهجاء حين اقترب بيرم من الأسرة العلوية. كان السبب المباشر لنفيه من مصر في 25 أغسطس 1920، بأمر السلطان فؤاد الأول الذي صار ملكًا لاحقًا، كتابته أزجالًا ومقالات لاذعة ضد الأسرة الحاكمة، وفي مقدمتها زجل «البامية الملوكي والقرع السلطاني» ومقال «لعنة الله على المحافظ».
البنت ماشية من زمان تتمخطَر
والغفلة زارعَة في الديوان قرع أخضر
بيرم التونسي، زجل «البامية الملوكي والقرع السلطاني».
تختلف المصادر في السياق المحدد لهذا الزجل. فبعضها يربطه بالتشكيك في نسب الملك فاروق، الذي وُلد بعد ثمانية أشهر من زواج الملك فؤاد بالملكة نازلي، بينما يربطه بعضها الآخر بالسخرية من إجبار فؤاد محافظ القاهرة محمود فخري باشا على الزواج من ابنته الأميرة فوقية للتغطية على فضيحة. لذلك لا يمكن الجزم بتفسير واحد، وإن كان المتفق عليه أن النص دخل المنطقة التي عدّها القصر اعتداءً مباشرًا على هيبته وشؤونه العائلية.
يعتمد المقتطف على مفردات نباتية ويومية تخفض المسافة الرمزية بين القصر والسوق. فاللقب السلطاني، بدل أن يبقى محاطًا بالمهابة، يدخل مجال «القرع» و«البامية». ليست السخرية هنا زينة لغوية، بل فعل نزع للقداسة السياسية: السلطة التي تقدم نفسها في صورة رسمية يعيد الشاعر وصفها بمفردات متداولة يستطيع الجمهور حفظها وترديدها.
ويظهر الهجوم على فؤاد في صيغة أكثر مباشرة في قصيدة أخرى:
ولما عدمنا في مصر الملوك
جابوك الانجليز يا فؤاد قعدوك
تمثل على العرش دور الملوك
وفين يلقوا مجرم نظيرك ودون
بيرم التونسي، قصيدة في هجاء الملك فؤاد.
ينقل هذا المقطع المعركة من التلميح العائلي إلى الطعن في شرعية الحكم. الأفعال «جابوك» و«قعدوك» و«تمثل» ترسم الملك بوصفه موضوعًا لفعل الآخرين، لا مصدرًا مستقلًا للسلطة. كما يربط المقطع جلوسه على العرش بالإنجليز، فيصبح الهجاء موجهًا إلى العلاقة بين الحكم المحلي والنفوذ البريطاني معًا.
لا يكتفي بيرم بانتقاد قرار أو ضريبة، بل يهدم الصورة المسرحية للملكية عبر فعل «تمثل». فالعرش في هذا التصوير خشبة، والملك يؤدي دورًا لا يملكه حقيقة. وهذه الجرأة تضع تجربته ضمن مسار الهجاء الذي يواجه السلطة نفسها، وهو مسار يمكن مقارنته، من دون افتراض تأثير مباشر، بتجربة دعبل الخزاعي في الهجاء السياسي. لكن أداة بيرم كانت عامية حديثة قابلة للانتقال في المجال الشعبي بسرعة.
ينبغي مع ذلك التمييز بين تحليل الوظيفة السياسية وتبني لغة الإدانة الواردة في الهجاء. فحدة الوصف جزء من معركة تاريخية بين شاعر وسلطة عاقبته بالنفي، ولا يلزم من قراءتها اليوم تحويل الشتيمة إلى قيمة مستقلة. الأهم هو فهم الطريقة التي استخدم بها الشاعر الصدمة اللفظية لتقويض الهيبة، وما ترتب عليها من عقاب فعلي.
المنفى: حين صارت الأوطان ثلاث خيبات
بعد نفيه تنقل بيرم بين تونس ثم مارسيليا وباريس ومدينة ليون الفرنسية. عانى فقرًا مدقعًا، وعمل في مصانع الحديد والصلب. ولا تختزل هذه السنوات في إقامة أدبية بباريس؛ فالمادة المتاحة ترسم حياة شاقة اقترنت بالعمل الصناعي وبغياب الاستقرار.
كذلك لم يقض كل الفترة التالية لعام 1920 خارج مصر من دون انقطاع. فقد عاد إليها متخفيًا عدة مرات، ثم نُفي مجددًا. تكشف هذه المحاولات أن المنفى لم يكن انتقالًا نهائيًا قبله الشاعر، بل صراعًا متكررًا بين الرغبة في العودة وقدرة السلطة على الإبعاد.
الأولة مصر.. قالوا تونسي ونفوني
والتانية تونس.. وفيها الأهل جحدوني
والتالتة باريس.. وفي باريس جهلوني
بيرم التونسي، زجل «الأولة آه».
يبني المقطع خريطة من ثلاثة أماكن، لكن التعداد لا يقود إلى اتساع العالم، بل إلى تضييقه. لكل بلد فعل إقصاء خاص: مصر تنفيه بسبب أصله التونسي، وتونس لا تمنحه دفء القرابة، وباريس لا تعرفه. وتتوازن الأسطر في بنيتها حتى يبدو الانتقال الجغرافي دورانًا داخل النتيجة نفسها.
اللافت أن أسماء المدن والبلدان تأتي قبل الأفعال المؤلمة: مصر، تونس، باريس؛ ثم النفي والجحود والجهل. كأن الشاعر يختبر كل اسم بوصفه احتمالًا للانتماء، ثم يسقط الاحتمال في نهاية السطر. والعامية هنا لا تخفف المأساة، بل تمنحها بساطة التقرير: ثلاث جمل يمكن تذكرها بسهولة، لكنها تحمل انهيار ثلاث صور للوطن.
يكشف الفعل «جهلوني» وجهًا آخر للمنفى. فالمشكلة ليست العداء وحده، بل انعدام الاعتراف. في مصر كان معروفًا إلى حد أن السلطة خشيت كلماته وأبعدته، أما في باريس فالغربة محو للاسم والحضور. وبين المطاردة والتجاهل تتكون مفارقة الشاعر المنفي: مشهور بما يكفي ليعاقب في وطنه، ومجهول بما يكفي ليعاني الفقر بعيدًا عنه.
يمكن النظر إلى هذه السخرية الذاتية المرة إلى جوار تقاليد هجائية أخرى، مثل تجربة الحطيئة الذي هجا الناس وهجا نفسه، من باب المقارنة في انقلاب الهجاء على صاحبه. غير أن بيرم لا يجعل ذاته هدفًا معزولًا؛ إنه يستخدم مصيره لكشف اضطراب معاني الأصل والوطن والاعتراف.
العفو والعودة إلى المجال الفني
انتهت دورة النفي المتكرر بصدور عفو ملكي عنه عام 1938 في عهد الملك فاروق، بوساطة من رئيس الوزراء محمد محمود باشا. تحمل العودة مفارقة سياسية واضحة: السلطة الملكية التي نفته في عهد فؤاد سمحت بعودته في عهد فاروق. ومع ذلك لم تُلغ العودة أثر المنفى، بل أدخلته في مرحلة جديدة من العمل داخل مصر.
شكّل بيرم ثنائيات فنية بارزة مع سيد درويش في بداياته، ثم مع أم كلثوم وزكريا أحمد في مرحلة النضج والعودة من المنفى. وتدل هذه الشراكات على انتقال كلمته من القصيدة الساخرة والمنشور السياسي إلى المجال الغنائي، من غير أن يعني ذلك انفصالها الكامل عن لغته الشعبية.
في الغناء تصبح العامية المكتوبة صوتًا مسموعًا تؤديه الحناجر وتصوغه الألحان. وهذا ينسجم مع جوهر تجربة بيرم: العبارة عنده لا تُبنى للقراءة الصامتة وحدها، بل تحمل إيقاع المخاطبة وقابلية التداول. وإذا كان زجل المجلس البلدي قد نقل شكوى السوق إلى الشعر، فإن الشراكات الفنية وسعت مجال وصول كلماته عبر الأداء.
حصل بيرم على الجنسية المصرية عام 1954، ثم منحه الرئيس جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الآداب والفنون عام 1960. وبين قرار النفي سنة 1920 والتكريم سنة 1960 أربعة عقود تبدلت خلالها علاقة الدولة بالشاعر: من اعتباره صوتًا يستوجب الإبعاد إلى الاعتراف الرسمي بقيمته الأدبية والفنية.
لا يعني هذا التحول أن سيرته تنتهي بانتصار بسيط يخلو من التناقض. فالاعتراف جاء بعد أعوام الفقر والعمل الشاق ومحاولات العودة السرية، وبعد تأخر الجنسية المصرية طويلًا. لذلك تبدو الجائزة خاتمة مؤسسية لمسار مضطرب، لا تعويضًا يمكنه محو ما سبقه. توفي بيرم في 5 يناير 1961، بعد أشهر من حصوله على الجائزة.
عامية تؤدي عمل الفصحى
تُنسب إلى أحمد شوقي مقولة «أخشى على العربية من بيرم»، وقد نقلها حسن مدن في صحيفة الخليج بوصفها مقولة نقدية متداولة. ولا ينبغي تفسيرها على أنها كراهية لبيرم أو هجوم عليه؛ فالمقصود بها الإعجاب بقدرته على تطويع العامية وجعلها قوية ومؤثرة مثل الفصحى.
أخشى على العربية من بيرم
مقولة منسوبة إلى أحمد شوقي، نقلها حسن مدن في صحيفة الخليج.
تكشف المقتطفات الموثقة جانبًا من هذه القدرة. مفردات بيرم مألوفة: الفجل، المليم، العيال، البنت، الديوان، القرع. لكنها لا تبقى مفردات تقريرية؛ إذ تدخل في بناء محسوب للمقابلة والتكرار والقافية. العامية عنده ليست تسجيلًا خامًا للكلام اليومي، بل إعادة تنظيم له بحيث يؤدي وظيفة شعرية وحجاجية.
في بيت «المجلس البلدي» تقوم البنية على سؤالين متوازيين. وفي «الأولة آه» يقوم البناء على تعداد الأمكنة وتكرار الصيغة النحوية. أما هجاء فؤاد فيعتمد سلسلة أفعال قصيرة تضع المخاطب في موضع الاتهام. تتغير النبرة بين المفارقة والشكوى والمواجهة، لكن العبارة تظل مباشرة وقابلة للحفظ.
هذه القابلية للحفظ جزء من الدلالة السياسية. فالنص الذي يصف ضريبة أو يهاجم ملكًا يحتاج إلى تجاوز دائرة القراء المتخصصين كي يصير عنصرًا في الوعي العام. وتساعد العامية على هذا الانتقال لأنها تستخدم كلمات الجمهور وإيقاع خطابه، فيما يمنحها البناء الشعري كثافةً تتجاوز الكلام العابر.
كما أن بيرم لا يفصل الهزل عن الجدية فصلًا كاملًا. صورة الفجل مضحكة للوهلة الأولى، لكنها تنتهي إلى سؤال عن قوت الأطفال. وتشبيه شؤون القصر بالقرع يثير الضحك، لكنه أدى إلى نفي الشاعر. هذا التوتر بين خفة الصورة وثقل العاقبة هو أحد مفاتيح هجائه: يفتح الضحك باب التلقي، ثم يترك وراءه حكمًا سياسيًا أو اجتماعيًا جارحًا.
صوت الشارع بوصفه موقفًا
لا تعني عبارة «صوت الشارع» أن بيرم كان ينقل كلام الناس بلا صياغة، ولا أنها لقب رسمي ثابت. المقصود أن زاوية نظره تنطلق من أثر السلطة في الحياة اليومية: بائع يقتسم المليم مع المجلس، وشاعر تُحدد جنسيته مصيره، ومنفي يبحث عن مكان يعترف به. الشارع هنا موقع للرؤية، لا مجرد معجم عامي.
تاريخيًا، سجل هجاؤه توترين متداخلين: هيمنة الإنجليز على الإدارة المحلية في الإسكندرية، وعلاقة القصر بالنفوذ البريطاني كما صورها الشاعر في هجائه لفؤاد. واجتماعيًا، نقل العبء من مستوى القرارات إلى مستوى الأفراد الذين يدفعون ثمنها. لذلك تلتقي في شعره السياسة بالاقتصاد، والانتماء بالقانون، والسخرية بالعقوبة.
وتمنح سيرته هذه الكلمات وزنًا إضافيًا. فالشاعر الذي هاجم النفي من بعيد لم يكن يتخيل تجربة غيره، بل كان يعمل في مصانع الحديد والصلب ويعاني الفقر ويتسلل عائدًا إلى مصر. غير أن أهمية النص لا تقوم على المعاناة وحدها؛ تقوم على قدرته على تحويل التجربة إلى صيغة مشتركة يستطيع آخرون ترديدها وفهم أنفسهم من خلالها.
بقي بيرم حاضرًا لأن هجاءه لم يحصر نفسه في أسماء خصومه، على الرغم من وضوح تلك الأسماء. ما زال سؤال المليم مفهومًا كلما زاحمت الجباية قوت الفقير، وما زالت أسطر مصر وتونس وباريس قابلة لتمثيل انقسام المنفي بين أصل لا يحميه ووطن يبعده ومدينة لا تعرفه. هنا تتجاوز العبارة مناسبتها من دون أن تفقد جذورها التاريخية.
لقد دفع بيرم العامية إلى موضع تستطيع فيه مساءلة المجلس والملك والوطن معًا. لم تكن قوته في ارتفاع الصوت وحده، بل في اختيار الصورة التي تحمل ميزانًا اجتماعيًا داخلها: حبة فجل في مواجهة مؤسسة، وممثل على عرش، وثلاثة أوطان تقابلها ثلاثة أفعال للإقصاء. بذلك صار الهجاء عنده طريقةً لترتيب الواقع وكشف اختلاله، لا مجرد رغبة في الإيذاء اللفظي.
المصادر والمراجع
- نون بوست، «بيرم التونسي.. شاعر خذلته الأوطان فاستوطن الكلمة»، 17 مارس 2021.
- الجزيرة نت، «بيرم التونسي.. متمرد يزرع الثورة والشعر والفن بين الأوطان والمنافي»، 21 يناير 2024.
- مصراوي، «بيرم التونسي.. أمير شعر العامية نفاه فؤاد وعفا عنه فاروق ومنحه ناصر الجنسية»، 4 مارس 2015.
- حسن مدن، «فصحى بيرم التونسي وعاميّته»، صحيفة الخليج، 5 أغسطس 2021.
- صدى البلد، «البامية الملوكي والقرع السلطاني تتسبب في نفي بيرم التونسي خارج مصر مرتين»، 5 يناير 2019.
- العربي الجديد، «بيرم التونسي وأم كلثوم: وأنا بودّع وحيدي»، 5 يناير 2019.
- علي عبد الرحمن، «بيرم التونسي.. شاعر الشعب الذي نفاه البلاط الملكي»، جريدة الاتحاد، 14 سبتمبر 2021.



