حين يغادر الهجاء نظام القصيدة الفصيحة، لا يفقد بالضرورة حدته أو قيمته الفنية؛ بل يبدل أدواته وجمهوره وإيقاع حضوره. فالعامية تستطيع أن تجعل السخرية أقرب إلى التداول، وأن تنقل الشكوى السياسية والاجتماعية من العبارة المجردة إلى كلام يشبه لغة الناس. هنا لا يعود الخروج على الإعراب نقصًا، وإنما يصبح اختيارًا تعبيريًا يفتح للشعر مجالًا مختلفًا.
يمثل الزجل أبرز صور هذا التحول. فهو فن شعري شعبي لا يلتزم قواعد الإعراب الصارمة، وقد ظهر في الأندلس وازدهر على يد أبي بكر بن قزمان. ومع انتقال الهجاء إلى الزجل والشعر الشعبي والمساجلات، لم يعد مقصورًا على الصراع بين شعراء الفصحى، بل اتسعت موضوعاته لتشمل الفساد وغلاء الأسعار والاحتلال، واتخذ أحيانًا طابع الفكاهة والتهكم المتبادل.
ولا يعني ذلك أن الهجاء الشعبي مجرد شتيمة موزونة. فالسخرية فيه قد تختصر موقفًا اجتماعيًا كاملًا، وتكشف التناقض بين الخطاب والواقع. ومن ثم تظل معرفة حدود الهجاء ووظيفته في النقد العربي القديم ضرورية للتمييز بين النقد الذي يفضح خللًا عامًا، والثلب الذي ينحدر إلى الإيذاء المجرد.
الزجل: شعر يُسمع بلسان العامة
تتصل هوية الزجل بلغته قبل أي شيء آخر. فقد مزج الزجل الأندلسي بين العامية الأندلسية والفصحى وبعض الكلمات الرومانثية، فصار نصًا مركبًا لا يستقر داخل مستوى لغوي واحد. وهذا المزج لم يكن مجرد زينة، بل أتاح للفن أن يعبر عن هموم العامة وأفراحهم، وأن يكسر احتكار النخبة للشعر الفصيح.
والقول إن الزجل كسر ذلك الاحتكار لا يعني أنه أعلن خصومة مطلقة مع الفصحى. فوجود الفصحى ضمن نسيجه يؤكد أن العلاقة أكثر تعقيدًا: إنه يأخذ من اللغة الموروثة ما يخدمه، ثم يجاورها بكلام الحياة اليومية. وبذلك تصبح الحدود بين الفصيح والعامي قابلة للحركة، بدل أن تكون سورًا يمنع التجربة الشعبية من دخول مجال الشعر.
ربط صفي الدين الحلي اسم الزجل بالصوت والإنشاد، فقال:
والزجل في اللغة، الصّوت يقال سحاب زجل، إذا كان فيه الرّعد... وقيل في سبب تسمية هذا النّوع زجلا لأنّه لا يلتذُّ به وتفهم مقاطع أوزانه حتّى يُغنَّى به ويُصوّت.
يكشف هذا التعريف أن الصوت ليس غلافًا خارجيًا للنص؛ ففهم المقاطع والالتذاذ بها يرتبطان، عند الحلي، بالغناء والتصويت. ومن هنا يمكن فهم قوة السخرية الزجلية: العبارة لا تُدرك بوصفها معنى فحسب، بل بوصفها نبرة أيضًا. وقد تحمل النبرة استهجانًا أو مفارقة أو تهكمًا لا تؤديه الكلمات منفردة بالقوة نفسها.
لهذا لا يصح قياس الزجل بمقدار اقترابه من صرامة القصيدة الفصيحة. معياره الفني ينبع من قدرته على تنظيم اللغة المتداولة وتحويلها إلى بناء قابل للإنشاد والتذكر. والتحرر من الإعراب الصارم لا يساوي التحرر من الصنعة، وإنما ينقل الصنعة إلى الإيقاع المسموع، واختيار العبارة القريبة، وتكثيف المفارقة.
أصل مختلف فيه وعلاقة ملتبسة بالموشح
تختلف المصادر في أصل الزجل. يرى بعض الباحثين أن له أصولًا سريانية أو مشرقية انتقلت إلى الأندلس، بينما تؤكد أغلب الكتابات التاريخية أنه اختراع أندلسي نشأ متأثرًا بالموشحات، ويمثل ابن خلدون هذا الاتجاه. لذلك لا يمكن عرض الأصل المشرقي بوصفه حقيقة محسومة، كما لا ينبغي إخفاء وجوده ضمن الآراء المتداولة.
ويمتد الخلاف إلى العلاقة بين الموشح والزجل. يعتبر شوقي ضيف أنهما فن واحد ذو شقين: فصيح وعامي. أما الاتجاه الذي يقوده تصور ابن خلدون، فيرى الزجل تقليدًا عاميًا متأخرًا للموشح. والفرق بين الرأيين ليس لفظيًا؛ فالأول يجعل الفنين صورتين متوازيتين لبناء واحد، في حين يرتب الثاني علاقة زمنية ينتقل فيها النموذج من الفصيح إلى العامي.
يقول ابن خلدون في وصف ظهور الفن:
ولما شاع فن التوشيح في الأندلس... استحدثوه فنّاً سموه الزجل... وأول من أبدع هذه الطريقة الزجلية ابن قزمان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس، لكن لم تظهر حلاها ولا انسكبت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه.
يحمل النص نفسه احترازًا مهمًا. فهو ينسب إبداع الطريقة إلى ابن قزمان، لكنه يقر بأن أزجالًا قيلت قبله في الأندلس. ومن ثم لا يمكن الجزم بأنه أول من كتب بالعامية، ولا بأنه أنشأ الفن من عدم؛ الأدق أنه منح الزجل صورة ناضجة وشهرة جعلت اسمه مقترنًا به.
كما يقيم قول ابن خلدون صلة مباشرة بين شيوع التوشيح واستحداث الزجل. غير أن هذه الصلة لا تحسم وحدها طبيعة العلاقة: هل الزجل نسخة عامية متأخرة، أم الوجه الشعبي لبناء فني مشترك؟ يبقى الخلاف قائمًا، لكن الطرفين يلتقيان عند أهمية البيئة الأندلسية في ظهور الصيغة التي عُرفت بهذا الاسم.
ابن قزمان: الازدهار لا أسطورة البداية المطلقة
يُعد أبو بكر بن قزمان، الذي عاش بين عامي 1078 و1160م، إمام الزجالين. وتنبع مكانته الموثقة من ازدهار الفن على يده، لا من ادعاء أنه أول إنسان نظم شعرًا عاميًا. وهذه الدقة ضرورية لأن تاريخ الفنون لا يبدأ عادة بلحظة منفردة؛ فقد تسبق الشهرة محاولات لا تبلغ من النضج والانتشار ما يبلغه صاحب التجربة الأبرز.
عبارة ابن خلدون عن ظهور «حلا» الزجل و«رشاقة» معانيه في زمن ابن قزمان تجعل الريادة مرتبطة بالتشكيل الفني والإشهار. إنها ريادة نقلت الطريقة من إمكان سابق إلى نموذج واضح المعالم. وفي هذا المعنى يمكن الجمع بين القول بوجود زجل قبله والقول إنه صاحب الدور الحاسم في ازدهاره.
وتكتسب هذه الريادة دلالة اجتماعية لأن اللغة الزجلية وسعت دائرة التعبير الشعري. فالمزج بين العامية والفصحى والكلمات الرومانثية جعل النص أقرب إلى واقع لغوي متعدد، وأتاح لهموم العامة وأفراحهم أن تدخلا الشعر من غير المرور الكامل بقواعد التعبير النخبوي. لم يعد المتكلم الشعبي مضطرًا إلى التخلي عن لسانه كي يصبح موضوعًا للشعر أو صوتًا فيه.
ومن هذا الباب وجد الهجاء مجالًا مناسبًا داخل الزجل. فالسخرية تعتمد كثيرًا على سرعة التقاط التناقض، وعلى عبارة مألوفة تستطيع أن تصيب هدفها من دون شرح طويل. وعندما تأتي العبارة بلسان متداول، يصبح الاعتراض أقل تجريدًا وأشد اتصالًا بالتجربة اليومية.
ومع ذلك، لا تسمح مادة البحث المتاحة بنسب أبيات هجائية بعينها إلى ابن قزمان أو ببناء صورة تفصيلية لموضوعات سخريته. وما يمكن إثباته هو مكانته في ازدهار الزجل، ثم استنتاج أهمية هذا الازدهار في توفير فضاء لغوي أوسع للهجاء الشعبي، من غير اختلاق شواهد لا تتضمنها المصادر.
القرقي: حين صار الهجاء قسمًا من أقسام الزجل
قسّم صفي الدين الحلي الزجل إلى أربعة أقسام بحسب الأغراض، وأطلق على القسم المخصص للهجاء والثلب اسم «القرقي». وتفيد هذه التسمية بأن الهجاء لم يكن استعمالًا عابرًا للزجل، بل غرضًا مميزًا داخل تصنيف تراثي للفن.
وجود اسم مستقل يمنح الممارسة حدودًا أولية: ثمة كلام زجلي غايته الهجاء، ويمكن تمييزه من الأغراض الأخرى حتى لو اشترك معها في اللغة والإيقاع. وهذا يضعف النظر إلى الهجاء الشعبي بوصفه انفجارًا بلا بناء؛ فقد دخل ضمن تصور يصنف الأغراض ويقر باختلاف وظائفها.
لكن اقتران الهجاء بالثلب ينبه إلى وجهه المؤذي. فالقدرة على الإضحاك لا تجعل القول بريئًا، وقد يتحول الهجوم من كشف العيب إلى امتهان الشخص. لذلك ينبغي التعامل نقديًا مع هذا الميراث: قيمته ليست في قسوة اللفظ لذاتها، بل في طرائق بناء المفارقة، وفي قدرته ـ حين يتجه إلى شأن عام ـ على تسمية الفساد أو الظلم أو الخلل الاجتماعي.
ويتضح هنا الفارق بين دراسة الهجاء وتبنيه. فالباحث يستطيع أن يحلل وظيفة القرقي من غير أن يعيد إنتاج الإهانات التراثية أو يحتفي بها. كما يستطيع أن يرى في التصنيف دليلًا على حضور السخرية داخل الزجل، مع إبقاء السؤال الأخلاقي مفتوحًا حول هدفها وحدودها.
القرقي، بهذا المعنى، شاهد على أن العامية لم تكن مقصورة على الغناء والمرح. لقد استطاعت أن تحمل خطابًا هجائيًا له اسم وموقع داخل تقسيم الأغراض. وهذا الموقع يفسر كيف صار الزجل قابلًا لأن يكون صوت احتجاج، لا مجرد لون خفيف خارج الشعر الجاد.
المساجلات النبطية: السخرية بوصفها ردًا متبادلًا
في الشعر النبطي في الجزيرة العربية برز الهجاء الساخر عبر المساجلات الشعرية، وهي تبادلات تحمل طابع الفكاهة والتهكم المتبادل. ومن أمثلتها مساجلات ضيدان بن صبحان وسعد بن عبد الله الهتلاني. ولا توفر مادة البحث نصوصًا موثقة من تلك المساجلات، لذلك لا يصح تركيب أبيات على منوالها أو نسبتها إلى أصحابها.
تختلف المساجلة في بنيتها عن الهجاء أحادي الاتجاه. فوجود الرد يجعل كل قول عرضة لجواب، ويحول السخرية إلى حركة متبادلة بدل أن تظل حكمًا نهائيًا يصدره شاعر واحد. ومن هنا تنشأ فكاهة خاصة قائمة على التوقع والمفاجأة ومحاولة قلب المعنى على صاحبه.
ولا تلغي هذه الفكاهة عنصر المنافسة؛ بل تعيد تنظيمه. فالتهكم المتبادل يسمح بإظهار القدرة على سرعة الرد وصياغة المفارقة، بينما يمنع احتكار الصوت داخل النص المتسلسل. ولهذا تمثل المساجلة قالبًا ملائمًا للهجاء الشعبي، لأنها تجمع حدة المواجهة بلذة التفاعل.
أما الصلة بينها وبين القرقي فليست صلة تطابق. القرقي اسم لقسم من الزجل خُصص للهجاء والثلب، بينما تصف المساجلة بنية تبادل شعري في سياق نبطي. الجامع بينهما هو استخدام اللغة الشعبية في السخرية، لكن لكل منهما منطق مختلف: الأول يحدد الغرض، والثاني يبرز آلية الرد.
ويمنع هذا الاختلاف رسم تاريخ خطي مبسط يرد جميع صور الهجاء الشعبي إلى أصل واحد. فالشواهد المتاحة تأتي من الأندلس والجزيرة العربية ومصر، وتكشف إمكانات متعددة للغة غير المقيدة بصرامة الإعراب. التشابه بينها وظيفي وفني، أما إثبات انتقال مباشر بينها فيحتاج إلى مصادر لا يوفرها ملف البحث.
بيرم التونسي: المفارقة بلسان قريب
في مصر استخدم بيرم التونسي الزجل والشعر العامي أداة ساخرة لتناول الفقر والاحتلال وغلاء الأسعار والفساد السياسي. وتنبع قوة هذا الاختيار من تقارب اللغة الشعرية مع الموضوع؛ فالأزمات التي تمس الحياة اليومية تُقال بلسان يستطيع الناس تمييز نبرته وإشاراته من غير وساطة لغوية ثقيلة.
في قصيدة «بدنجان» يرد المقتطف القصير: «يا شرق فيك جو منور..والفكر ضلام». يقوم التعبير على مقابلة بين النور الحسي وظلام الفكر. ليست المفارقة وصفًا للجو بقدر ما هي كشف للتناقض بين مظهر مضيء وواقع ذهني معتم، ولهذا تنجز العبارة نقدها في صورة سهلة الالتقاط.
وتضاعف العامية أثر المقابلة. فكلمتا «منور» و«ضلام» لا تقدمان فكرة فلسفية مجردة، بل تصوغانها في كلام قريب من المخاطبة. وتلك إحدى طاقات الزجل الهجائي: تحويل الموقف النقدي إلى جملة يمكن أن تعيش خارج سياقها، من دون أن تفقد الصدام بين طرفيها.
لا ينبغي مع ذلك اختزال تجربة بيرم في هذا المقتطف، كما لا تسمح حقوق النصوص الحديثة بنقل مقاطع طويلة لمجرد التمثيل. يكفي الشاهد القصير لإظهار آلية محددة: بناء السخرية على التناقض، واستثمار العامية كي يصبح النقد الاجتماعي مباشر الأثر من غير أن يكون تقريرًا جافًا.
وتكتسب موضوعات الفقر والاحتلال وغلاء الأسعار أهمية خاصة في تحديد جهة الهجاء. فالسخرية هنا لا تستهدف عيبًا فرديًا معزولًا فحسب، بل تلاحق أوضاعًا عامة تؤثر في الناس. وبذلك يتحول اللسان الشعبي من مادة يُنظر إليها من الخارج إلى أداة تصف التجربة وتدين أسبابها.
أحمد فؤاد نجم: المباشرة السياسية وسلطة العبارة العامية
واصل أحمد فؤاد نجم توظيف الشعر العامي في السخرية السياسية والاجتماعية. ويكشف المقتطف القصير من قصيدة «خبطنا تحت بطاطنا» — «مصر الدولة غرقانة فى الكدب» — مقدار المباشرة التي يمكن أن تبلغها العبارة الهجائية؛ إذ يُسمى الكذب صراحة، ويُصور بوصفه حالة تغمر الدولة.
فعل «غرقانة» هو مركز الصورة. إنه لا يقدم الكذب بوصفه حادثة محدودة، بل مادة تحيط بالمشهد كله. وبجمع كلمة «الدولة» إلى هذا الفعل، ينتقل الاتهام من سلوك فردي إلى وضع سياسي عام. هذا الانتقال هو ما يمنح السخرية قوتها الاحتجاجية.
لا يحتاج المقتطف إلى معجم معقد، لكنه ليس خاليًا من البناء. فالجملة تتدرج من المكان «مصر» إلى الكيان «الدولة»، ثم تنتهي بالحكم الصادم. وتسمح العامية بأن يبدو هذا الحكم قريبًا من كلام الشارع، فيجتمع فيه الخبر والانفعال والاتهام.
يتقاطع نجم مع بيرم في استخدام اللغة الشعبية ضد الفساد والأوضاع السياسية والاجتماعية، لكن الشاهدين يكشفان طريقتين مختلفتين. يبني بيرم عبارته المذكورة على التضاد بين النور والظلام، بينما يميل شاهد نجم إلى تسمية الخلل مباشرة وصياغته في صورة الغرق. كلاهما يستفيد من الاختصار، غير أن المفارقة عند الأول أوضح، والمواجهة اللفظية عند الثاني أشد مباشرة.
ولا تعني المباشرة غياب الفن، مثلما لا تعني الرمزية وحدها العمق. يمكن لعبارة صريحة أن تكتسب كثافة من اختيار فعل واحد، ويمكن لمقابلة بسيطة أن تحمل نقدًا واسعًا. ولهذا تناولت دراسة سعاد حميدة سخرية نجم في نطاق العلاقة بين الرمزية والمباشرة، وهي علاقة تمنع وضع شعره في خانة التقرير السياسي وحده.
ويجب إبقاء الاقتباس من شعر نجم وبيرم في أضيق نطاق تقتضيه القراءة، لأن النصين حديثان وخاضعان لحقوق الملكية الفكرية. الغاية من الشاهد ليست إعادة نشر القصيدة، بل تحليل وظيفة كلمة أو صورة تكشف طريقة اشتغال الهجاء العامي.
الدلالة التاريخية والاجتماعية للهجاء الشعبي
يكشف تتبع هذه النماذج أن الهجاء الشعبي ليس فرعًا ناقصًا من القصيدة الفصيحة، بل طريقة مختلفة في توزيع الصوت واللغة. فالزجل الأندلسي أدخل العامية والكلمات الرومانثية إلى جوار الفصحى، والقرقي منح الهجاء موقعًا داخل تصنيف الأغراض، والمساجلة النبطية جعلت التهكم متبادلًا، بينما وجه الشعر العامي المصري سخريته إلى الاحتلال والفساد وغلاء الأسعار.
لا يجمع هذه الصور قالب واحد، وإنما تجمعها الرغبة في جعل النقد قريبًا من الكلام المتداول. وهذا القرب ليس مسألة لغوية محضة؛ إنه يغير علاقة النص بموضوعه. فعندما تُقال الأزمة بلسان من يعيش آثارها، يقل الفصل بين الشعر والخبرة اليومية، وتصبح المفارقة وسيلة لفهم الواقع لا مجرد لعبة لفظية.
ومن الناحية التاريخية، يوسع الهجاء الشعبي خريطة السخرية العربية. فإلى جانب تحولات القصيدة الفصيحة التي يعرضها تاريخ الهجاء في الشعر العربي، توجد مسارات عامية وزجلية ونبطية لا ينبغي أن تُقرأ بمعايير الفصحى وحدها. لكل مسار شروطه اللغوية وطريقته في بناء التأثير.
كما تكشف هذه الخريطة أن الخروج على الإعراب الصارم لم يكن خروجًا على المعنى الاجتماعي للشعر. على العكس، أتاح الزجل التعبير عن هموم العامة وأفراحهم، وأتاح الهجاء العامي مواجهة موضوعات عامة. لكن وصفه بصوت المهمشين ينبغي أن يُفهم بوصفه دلالة على توسيع مجال التعبير، لا حكمًا بأن كل زجل يمثل جميع الفئات أو ينطق باسمها.
وتظل السخرية مزدوجة الإمكان: قد تكون وسيلة لكشف تناقض السلطة والواقع، وقد تتحول إلى ثلب شخصي. لذلك لا تقوم قيمتها على مقدار الإيذاء، بل على قدرتها على تحويل الغضب إلى صورة أو مفارقة أو رد شعري. النقد الذي يستهدف الفعل والخلل العام أقدر على البقاء من الإهانة التي لا تحمل وراءها رؤية.
واللافت أن الزجل لم يلغ الفصحى وهو يخرج من صرامتها. فقد مزجها بالعامية بدل أن يستبعدها، وكأن الفن يعلن أن اللغة الشعرية ليست اختيارًا بين طرفين مغلقين. هذا التداخل هو أحد أسباب مرونته، وهو ما سمح له بأن يحمل الغناء والفرح من جهة، والهجاء والاحتجاج من جهة أخرى.
صوت السخرية خارج القصيدة الفصيحة
من ابن قزمان إلى القرقي، ومن المساجلات النبطية إلى بيرم التونسي وأحمد فؤاد نجم، تتغير الأسماء والقوالب ويبقى للهجاء الشعبي عمل واضح: التقاط التناقض وإعادته إلى المجتمع في عبارة قابلة للتذكر. لا يحتاج هذا الصوت إلى محاكاة القصيدة الفصيحة كي يثبت فنيته؛ فهو يبني شرعيته من الإيقاع والنبرة والمفارقة وقرب اللغة من التجربة.
غير أن قوة هذا الصوت تقترن بمسؤوليته. فحين يواجه الاحتلال والفساد وغلاء الأسعار، تصبح السخرية أداة نقد اجتماعي وسياسي. وحين تنحصر في الثلب المجرد، تفقد جانبًا من قيمتها. وبين الإمكانين يظل الزجل والهجاء الشعبي شاهدين على قدرة اللغة المتداولة على إنتاج شعر لا يكتفي بإضحاك سامعه، بل يدفعه إلى رؤية الخلل الذي يقف وراء الضحك.
المصادر والمراجع
- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون.
- صفي الدين الحلي، العاطل الحالي والمرخص الغالي.
- مجلة أوراق ثقافية، «الزّجل الأندلسيّ»، 22 يوليو 2022.
- مبيان، «ابن قزمان — أمير الزجل الأندلسي»، 6 يناير 2026.
- سعاد حميدة، «السخرية عند الشاعر الشعبي المصري أحمد فؤاد نجم بين الرمزية والمباشرة»، مجلة اللغة العربية، المجلس الأعلى للغة العربية، 1 مارس 2021.
- حسن مدن، «فصحى بيرم التونسي وعاميّته»، صحيفة الخليج، 5 أغسطس 2021.
- الجزيرة نت، «فلسفة الهجاء.. كيف جسّد العرب الشتم في الشعر والأدب؟»، 28 يوليو 2025.
- بيرم التونسي، قصيدة «بدنجان».
- أحمد فؤاد نجم، قصيدة «خبطنا تحت بطاطنا».



