لم يعد الهجاء في عصر النهضة العربية مجرد سهم يطلقه شاعر على خصم بعينه، أو صوت قبيلة تدافع عن سمعتها في مواجهة قبيلة أخرى. اتسعت ساحته حتى صار الاستبداد الداخلي، والتدخل الأجنبي، والجهل، والتخلف الاجتماعي موضوعات مركزية له. وكان هذا التحول أعمق من تبدل الألفاظ والأغراض؛ إذ أعاد تحديد المخاطَب، والوسيط، والوظيفة التي يؤديها القول الساخر في المجال العام.
ظهر إلى جانب القصيدة منبر جديد هو الصحافة الساخرة، فأصبح الهجاء قابلًا للوصول إلى جمهور أوسع، مستعينًا بالعامية والكاريكاتير والأدب الشعبي. وفي الوقت نفسه، واصل الشعر أداء دوره، سواء في النقد السياسي والاجتماعي المباشر، كما عند معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي، أو في المداعبات الأدبية التي صاغها أحمد شوقي وحافظ إبراهيم على هيئة مبارزات لغوية بين صديقين.
تكشف هذه المسارات أن هجاء النهضة لم يكن فنًا واحد النبرة. فقد جمع بين الجد والهزل، وبين المواجهة العامة والتورية الخاصة، وبين الرغبة في فضح السلطة والرغبة في تنبيه المجتمع إلى علله. ومن هنا تكتسب دراسته قيمتها: فهي تضيء العلاقة بين الأدب وتكوين الوعي السياسي والاجتماعي في مرحلة شهدت تغيرًا واضحًا في وسائل التعبير وجمهوره.
من هجاء الخصوم إلى نقد السلطة والمجتمع
كان الشتم الشخصي والخصام القبلي من الأغراض المعتادة في مراحل قديمة من الهجاء، لكن ذلك لا يعني أن الشعر العربي السابق خلا من النقد السياسي. فلا يصح القول إن هجاء السلطة بدأ في عصر النهضة؛ إذ عرفته عصور أسبق، وكان هجاء دعبل الخزاعي للعباسيين أحد أمثلته. غير أن الجديد في النهضة تمثل في اتساع الطابع المؤسسي والصحافي والجماهيري لهذا النقد، وفي ارتباطه المباشر بقضايا الاستبداد والاستعمار والتخلف.
يمكن وضع هذا التحول ضمن المسار الأشمل الذي تعرضه مادة الهجاء في الشعر العربي: تاريخه وتحولاته. فالهجاء ظل محتفظًا بقدرته على الإيذاء الرمزي وكشف العيوب، لكنه نقل مركز اهتمامه من سمعة الفرد والجماعة الصغيرة إلى أحوال الحكم والمجتمع. وصار السؤال الذي يثيره النص الساخر أقل تعلقًا بمن غلب في خصومة لفظية، وأكثر اتصالًا بمن يتحمل مسؤولية الخلل العام.
هذا التحول لا يلغي الحدود القديمة للفن، بل يعيد ترتيبها. فبحسب المعنى الذي يناقشه موضوع تعريف الهجاء وحدوده ووظيفته، يقوم الهجاء على إبراز النقص وتوجيه اللوم، غير أن نوع النقص المقصود يتبدل بتبدل البيئة. وحين يصبح الاستبداد أو الجهل أو التدخل الأجنبي موضعًا للهجوم، تتحول السخرية من أداة خصومة إلى لغة احتجاج.
أما المقارنة بالهجاء القبلي، الذي يمكن الرجوع إلى سياقه في مادة الهجاء في العصر الجاهلي، فتوضح تغير موقع الجمهور. كان القول القديم وثيق الصلة بحماية سمعة الجماعة ومواجهة خصومها، بينما أخذ هجاء النهضة يخاطب جماهير تريد الصحافة الساخرة توعيتها، ويعرض أمامها قضايا سياسية واجتماعية تتجاوز علاقة الشاعر بمهجوه.
ولذلك لم تعد قيمة النص مرهونة بحدة الشتيمة. صار نجاحه مرتبطًا بقدرته على بناء صورة مفهومة للخلل، وتحويل الاعتراض إلى عبارة متداولة أو صورة كاريكاتورية أو مفارقة لغوية. وبقدر ما اتسع نطاق المخاطَبين، احتاج الكاتب إلى لغة أقرب إليهم وإلى أشكال تستطيع الجمع بين الإمتاع والتنبيه.
الصحافة الساخرة: منبر شعبي في مواجهة الاستبداد
يعقوب صنوع و«أبو نظارة زرقا»
أسس يعقوب صنوع، المعروف بأبي نظارة، مجلة «أبو نظارة زرقا» عام 1878. وتعد المجلة من أوائل المجلات الساخرة والكاريكاتورية في الشرق، وقد وجهت نقدها إلى الخديوي إسماعيل وإلى التدخل الأجنبي. تكمن دلالتها في أنها لم تكتف بنقل الهجاء القديم إلى صفحات مطبوعة، بل أعادت صياغته وفق شروط وسيط جديد يجمع الكلمة الساخرة والصورة.
تعمد صنوع استخدام العامية المصرية، فلا يصح تصوير مجلته بوصفها منبرًا قائمًا على الفصحى الصارمة. كان اختيار العامية جزءًا من وظيفتها الجماهيرية؛ إذ جعل خطابها أقرب إلى عامة الناس، وربط السخرية باللغة التي يتداولونها في حياتهم. ولم تكن بساطة التعبير، في هذا السياق، نقيضًا للوعي السياسي، بل وسيلة لإخراج النقد من الدوائر المحدودة إلى مساحة أوسع.
أتاح الكاريكاتير بدوره تكثيف موقف سياسي في مشهد ساخر. فالصورة لا تحتاج إلى بناء هجائي طويل كي تبرز التناقض بين المظهر والواقع، أو بين خطاب السلطة وأثره. ومن اجتماع العامية والكاريكاتير نشأ نمط من الهجاء يعتمد سرعة الالتقاط ووضوح المفارقة، من غير أن يتخلى عن الغاية السياسية.
تختلف المصادر في تفسير الجذور الأولى لهذه الصحافة الساخرة. ينسبها بعضهم بصورة أساسية إلى يعقوب صنوع وتأثره بالمسرح والصحافة الأوروبية، بينما يرى باحثون آخرون أنها امتداد لفنون عربية شعبية أقدم، مثل خيال الظل والمقامات، بما حملته من نقد ضمني للسلطة والمجتمع. ولا يمكن الجزم برد الظاهرة إلى أصل واحد اعتمادًا على المادة المتاحة؛ والأقرب أن خصوصيتها جاءت من اجتماع وسيط صحافي حديث مع رصيد ساخر سابق.
يفيد هذا الخلاف في تجنب تصور النهضة قطيعة كاملة مع الموروث أو نسخة محضة عن نموذج أجنبي. فالعامية، والمشهد الكاريكاتوري، والشخصية الساخرة، كلها عناصر استطاعت أن تعمل داخل الصحافة لأنها وجدت لدى الجمهور قابلية لفهم الرمز والمفارقة. وفي المقابل، منحها الشكل الصحافي حضورًا دوريًا وطابعًا عامًا لم يكونا بالوضوح نفسه في الأشكال السابقة.
عبد الله النديم و«التنكيت والتبكيت»
أصدر الكاتب والخطيب عبد الله النديم صحيفة «التنكيت والتبكيت» عام 1881، ووظف فيها السخرية والأدب الشعبي للنقد السياسي والاجتماعي وتوعية الجماهير. ويحمل عنوان الصحيفة نفسه جمعًا دالًا بين الإضحاك والتقريع: فالتنكيت يستميل المتلقي، أما التبكيت فيضعه أمام مواضع الخلل ويمنع الضحك من التحول إلى تسلية خالية من الموقف.
لا تقوم السخرية هنا على إلغاء الجدية، بل على حملها في صيغة أكثر قدرة على النفاذ. فالخطاب الوعظي المباشر قد يحدد الخطأ بوضوح، لكنه لا يملك دائمًا قوة المفارقة التي تجعل المتلقي يعيد النظر في المألوف. وحين يوضع السلوك الاجتماعي أو القرار السياسي في إطار ساخر، تظهر تناقضاته من داخله بدل أن يكتفي الكاتب بإصدار حكم خارجي عليه.
يمثل صنوع والنديم اتجاهًا واحدًا في الغاية مع اختلاف الأدوات المتاحة داخل التجربة الساخرة. فقد جعل كلاهما الصحافة موضعًا للنقد العام، واستفاد من لغة قريبة أو من أدب شعبي قادر على مخاطبة الجماهير. وهكذا خرج الهجاء من اعتماد شبه كامل على صوت الشاعر إلى فضاء تتجاور فيه المقالة الساخرة والصورة والكلام الشعبي.
كان هذا الانتقال ذا أثر اجتماعي واضح؛ إذ لم يعد الجمهور شاهدًا بعيدًا على خصومة بين أديبين، بل صار المخاطَب المقصود بعملية التوعية. ولأن الصحافة تضع النقد في سياق متجدد، أمكن للهجاء أن يتابع الشأن السياسي والاجتماعي بدل أن يبقى مرتبطًا بحادثة فردية واحدة. هنا تظهر مؤسسية هجاء النهضة: ليست المسألة وجود موقف سياسي فحسب، بل وجود منبر مخصص لإعادة إنتاج ذلك الموقف وتداوله.
الشعر المصري بين النقد والمداعبة
ظل الشعر حاضرًا إلى جانب الصحافة، لكنه لم يعمل دائمًا بالطريقة نفسها. ففي مصر برز أحمد شوقي وحافظ إبراهيم بوصفهما نموذجين لاستخدام الإخوانيات والمداعبات الشعرية المعتمدة على البلاغة والتورية. وهذا اللون قريب من الهجاء في أدواته، لأنه يبرز عيبًا ظاهريًا أو يوجه عبارة لاذعة، لكنه يختلف عنه في طبيعة العلاقة بين الطرفين وفي المقصد الذي يحكم النص.
تبدو الإخوانيات كأنها اختبار مزدوج للغة والصداقة. فالشاعر يضغط على اسم صاحبه أو صفته ليولد معنى آخر، ثم يترك له باب الرد مفتوحًا. لا تستهدف المساجلة، في هذا السياق، تحطيم مكانة الخصم، بل عرض القدرة على التقاط المفارقة وصوغ جواب يوازيها. ولهذا تكون التورية مركزية: فهي تتيح للفظ الواحد أن يجمع اسم الشخص ومعنى آخر يبدو هجائيًا.
كما تكشف هذه المداعبات وجهًا مغايرًا للصورة الجادة التي قد ترتبط بشعر النهضة. فالشاعر الذي يتناول القضايا العامة يستطيع أن يدخل أيضًا في لعبة أدبية خاصة، لها جمهورها وطرائق تلقيها. غير أن قربها اللفظي من الهجاء الصريح أدى إلى خلاف في تفسيرها، ولا سيما حين نُقلت الأبيات منفردة من غير سياق الصداقة.
شوقي وحافظ: التورية لا العداوة
تختلف المصادر العامة والنقاد في وصف المساجلات بين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. فقد توحي بعض الروايات بأنها عداوة حقيقية وهجاء لاذع، لكن المحققين والنقاد الأدبيين يؤكدون أنها من الإخوانيات والمداعبات بين صديقين مقربين. وتساعد قراءة التورية، إلى جانب رثاء شوقي لحافظ، على ضبط هذا السياق ومنع الأبيات من أن تحمل ما لا تحتمل.
قال حافظ إبراهيم مخاطبًا شوقي:
يقولون إن الشوق نار ولوعة
فما بال شوقي اليوم أصبح باردا
حافظ إبراهيم، من مساجلات حافظ وشوقي المتواترة في المصادر الأدبية والتاريخية.
يقوم البيت على نقل لفظ الشوق من معناه العاطفي إلى اسم شوقي. يبدأ حافظ بحكمة تبدو مألوفة عن حرارة الشوق، ثم يفاجئ المتلقي بوصف «شوقي» بالبرود. ولو قُرئ الشطر الثاني منفصلًا أمكن فهمه على أنه انتقاص مباشر، لكن بناء البيت يبين أن مركز الثقل هو المفارقة اللفظية لا الحكم الجاد على شخصية الشاعر.
وجاء رد شوقي قائمًا على لعبة مماثلة باسم حافظ:
استودعت إنسانا وكلبا أمانة
فضيعها الإنسان والكلب حافظ
أحمد شوقي، من مساجلات حافظ وشوقي المتواترة في المصادر الأدبية والتاريخية.
تعمل كلمة حافظ هنا على مستويين: فهي صفة توحي بصيانة الأمانة، واسم الشاعر المخاطَب. والمفارقة أن من يحمل معنى الحفظ يوضع في تركيب يفيد ضياع الأمانة. تبدو العبارة قاسية إذا انتُزعت من إطارها، ولا سيما ما تتضمنه من تشبيه هجائي، لكن بنيتها تعيدنا إلى منطق المساجلة: قلب المعنى الذي صنعه الصديق والرد عليه بتورية أكثر حدة.
لا يعني وصف هذه الأبيات بالمداعبة إنكار ما في ألفاظها من خشونة وفق حساسية القارئ الحديث. فاللغة الهجائية تحتفظ بقدرتها على الجرح حتى حين تستعمل في اللعب، والسياق هو الذي يحدد اتجاهها ولا يمحو أثر مفرداتها. ومن ثم ينبغي شرحها بوصفها وثيقة على تقاليد الإخوانيات، لا تقديم ألفاظها نموذجًا صالحًا للتخاطب خارج ذلك الإطار.
يقوي رثاء شوقي لحافظ تفسير الصداقة، ومنه قوله:
قد كنت أوثر أن تقول رثائي
يا منصف الموتى من الأحياء
أحمد شوقي، من قصيدة رثاء حافظ إبراهيم في ديوان الشوقيات.
ينقل البيت العلاقة من حلبة الجواب الساخر إلى الإقرار بقيمة الصديق. يتمنى شوقي لو انعكس ترتيب الموت، فيكون حافظ هو الذي يرثيه، ثم يصفه بأنه منصف الموتى من الأحياء. ولا يمكن التعامل مع هذا الرثاء بوصفه مجرد هامش منفصل عن المساجلات؛ فهو قرينة أدبية على أن التلاسن السابق لم يكن إعلان قطيعة أو كراهية.
تكشف هذه التجربة أن الحدود بين الهجاء والإخوانيات لا ترسمها الألفاظ وحدها. فقد تتشابه العبارة في حدتها مع الهجاء الصريح، لكن علاقة المتخاطبين، وطريقة بناء التورية، وإمكان الرد، والشواهد المحيطة بالنص تغير وظيفتها. لذلك يكون الحكم على البيت من غير سياقه أقرب إلى تسوية متعجلة بين المزاح الأدبي والعداء الشخصي.
كما توضح المساجلات أن هجاء النهضة لم يكن كله سياسيًا أو اجتماعيًا. ففي الوقت الذي كانت الصحافة توجه السخرية إلى الاستبداد والتدخل الأجنبي، احتفظ الشعر بمساحة للمبارزة الفكرية الخاصة. ولم تكن هذه المساحة بلا دلالة؛ إذ أبرزت مكانة البراعة اللغوية وقدرة الاسم الواحد على أن يصبح مادة لتوليد المعاني المتعارضة.
المدرسة العراقية: الشعر في مواجهة التخلف والسياسة
برز في العراق معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي بوصفهما من أهم أصوات الهجاء السياسي والاجتماعي في تلك الحقبة. استخدم الشاعران الشعر لانتقاد التخلف والجهل، ووجها نقدهما إلى السياسات العثمانية ثم الاستعمارية. وبذلك اتسع موضوع الهجاء عندهما من الفرد إلى البنية السياسية والاجتماعية التي تنتج الخلل أو تسمح باستمراره.
يتضمن هذا الاتجاه تصورًا مختلفًا لوظيفة الشاعر. فهو لا يقف خارج المجتمع مكتفيًا بوصف عيوبه، بل يدخل في جدل مع واقعه. وحين يصبح الجهل موضوعًا للهجاء، لا يعود العيب سمة شخصية معزولة، بل مشكلة تمس قدرة المجتمع على التغير. وحين تتجه القصيدة إلى السياسة العثمانية أو الاستعمارية، يصبح القول الشعري وسيلة لمقارعة القوة وكشف آثارها.
يجمع الرصافي والزهاوي بين بعدين متصلين: نقد الداخل ومواجهة الخارج. فالاستعمار ليس الموضوع الوحيد، كما أن التخلف المحلي لا يعالج بمعزل عن السياسة. ومن هذا الجمع اكتسب الهجاء طابعًا تنويريًا؛ لأنه لم يكتف بإدانة خصم أجنبي، بل تناول أيضًا الجهل والركود داخل المجتمع. وفي ذلك انتقال من خطاب يبرئ الذات بإلقاء اللوم كله على الآخر إلى خطاب يوزع المسؤولية على أكثر من مستوى.
لا يعني هذا أن الشاعرين كانا صوتًا واحدًا أو أن جميع قصائدهما يمكن اختزالها في غرض الهجاء. لكن المادة المتاحة تضعهما معًا ضمن أبرز ممثلي النقد السياسي والاجتماعي في العراق. والأدق إبقاء الحكم عند هذا الحد، بدل نسبة مواقف تفصيلية أو أبيات إليهما لا يوفرها ملف البحث.
تتضح أهمية المدرسة العراقية عند مقارنتها بالمداعبات المصرية. فالتورية عند شوقي وحافظ تختبر الصداقة واللغة، بينما يوجه الرصافي والزهاوي الشعر إلى مشكلات عامة. ليس أحد المسارين نقيضًا للآخر؛ فكلاهما يبين مرونة الهجاء وقدرته على تغيير وظيفته بحسب المقام، من المساجلة الأدبية إلى النقد الاجتماعي والسياسي.
الدلالة التاريخية والاجتماعية لهجاء النهضة
تكمن الدلالة الأولى في تغير الوسيط. فقد بقي الشعر فاعلًا، لكن الصحيفة الساخرة أضافت إلى الهجاء إمكان مخاطبة جمهور أوسع بصورة دورية. ومن خلال «أبو نظارة زرقا» و«التنكيت والتبكيت» صار النقد جزءًا من ممارسة صحافية، لا حادثة شعرية منفردة. وقد ساعد ذلك على تثبيت الصلة بين السخرية والشأن العام.
أما الدلالة الثانية فتتصل باللغة. أظهر استخدام صنوع للعامية المصرية أن الوصول إلى عامة الشعب قد يقتضي الابتعاد عن الفصحى الصارمة. ولم يكن هذا الاختيار حكمًا على قيمة الفصحى، بل تحديدًا لطبيعة الجمهور والوظيفة. وفي المقابل، استثمرت مساجلات شوقي وحافظ طاقة العربية البلاغية، ولا سيما التورية، لإنتاج مفارقة لا تفهم كاملًا إلا بالانتباه إلى تعدد المعنى.
وتتمثل الدلالة الثالثة في اتساع موضوع النقد. فالاستبداد الداخلي والتدخل الأجنبي والسياسات العثمانية ثم الاستعمارية والجهل والتخلف أصبحت جميعًا قابلة للدخول في دائرة الهجاء. وبهذا لم يعد النص الساخر يسأل عن عيب الشخص وحده، بل عن أحوال الحكم والمجتمع وعن العلاقة بين القوة السياسية والوعي العام.
تظهر دلالة رابعة في الجمع بين الإضحاك والتوعية. لا يعمل الضحك في صحافة صنوع والنديم بوصفه هروبًا من السياسة، بل مدخلًا إليها. والسخرية التي تكشف التناقض تستطيع أن تجعل القارئ شريكًا في اكتشاف الخلل. فهي لا تقدم له حكمًا مجردًا فقط، وإنما تضع أمامه صورة أو مفارقة تدعوه إلى استكمال المعنى.
ومع ذلك، لا ينبغي توحيد جميع أشكال الهجاء تحت عنوان سياسي واحد. فالإخوانيات تؤكد بقاء الجانب الشخصي، لكن بعد تحويله من خصومة حقيقية إلى لعبة بلاغية. كما أن الخلاف حول جذور الصحافة الساخرة يمنع الجزم بأنها بدأت من مصدر منفرد. إن صورة المرحلة أدق حين تُقرأ بوصفها التقاءً بين موروث ساخر وأدوات صحافية جديدة وحاجات سياسية واجتماعية ملحة.
كان الأثر الأوسع لهذه التحولات هو جعل السخرية إحدى لغات الوعي العام. فالصحيفة خاطبت الجماهير، والشاعر العراقي ناقش التخلف والسياسة، والمساجلة المصرية علمت المتلقي أن ظاهر العبارة قد يخفي معنى آخر. وفي الحالات كلها صار القارئ مطالبًا بتجاوز السطح: أن يرى خلف النكتة نقدًا، وخلف التورية علاقة، وخلف العيب الفردي سؤالًا اجتماعيًا.
خلاصة
لم يخترع عصر النهضة الهجاء السياسي، لكنه منحه طابعًا صحافيًا وجماهيريًا أوضح. حوّل يعقوب صنوع وعبد الله النديم السخرية إلى منبر يخاطب العامة وينتقد الاستبداد والتدخل الأجنبي والخلل الاجتماعي، بينما جعل الرصافي والزهاوي القصيدة أداة لمواجهة الجهل والتخلف والسياسات العثمانية ثم الاستعمارية.
وفي الوجه الآخر، بينت إخوانيات شوقي وحافظ أن العبارة الهجائية قد تكون ميدانًا للصداقة والبراعة لا وثيقة عداوة. وبين الصحيفة والقصيدة، وبين الكاريكاتير والتورية، تبلورت وظيفة جديدة للهجاء: كشف التناقضات، وتوسيع مجال النقد، وإشراك الجمهور في قراءة واقعه.
المصادر والمراجع
- «يعقوب صنّوع: الوجه الضاحك للنهضة العربية»، العربي الجديد، 8 فبراير 2020، تاريخ الاطلاع: 6 أغسطس 2026.
- عبدالعزيز سلامة، «في ذكرى وفاته.. سبب هجاء أحمد شوقي لـ حافظ إبراهيم: لم يعش بعده إلا أيام»، جريدة الوطن المصرية، 13 أكتوبر 2022، تاريخ الاطلاع: 6 أغسطس 2026.
- حمدان خضر سالم، «السخرية في البرامج التلفزيونية»، جامعة بغداد، 1990، النسخة المتاحة عبر Scribd، تاريخ الاطلاع: 6 أغسطس 2026.
- «شعراء العصر الحديث»، مبيان، من دون تاريخ متاح، تاريخ الاطلاع: 6 أغسطس 2026.
- أحمد شوقي، ديوان الشوقيات، قصيدة رثاء حافظ إبراهيم.



