لم يكن التمرد عند جميل صدقي الزهاوي زينة بلاغية تضاف إلى القصيدة، بل كان طريقة في النظر إلى العالم. وضع الموروث الاجتماعي والديني والسياسي أمام أسئلة محرجة، ثم استعان بالسخرية والهجاء والمفارقة كي يكشف التناقض بين الأقوال والممارسات. لذلك تجاوز هجاؤه حدود الخصومة الفردية، واتجه إلى نقد الخرافة والاستبداد والقيود التي رأى أنها تعطل العقل والمجتمع.
ولد الزهاوي في بغداد عام 1863، وتوفي عام 1936، فعاش مرحلة حافلة بالتحولات الفكرية والسياسية في العراق والعالم العربي. وكان واحدا من جيل نهضوي ضم معروف الرصافي ومحمد رضا الشبيبي وعبد المحسن الكاظمي؛ ومن ثم لا يصح اختزال حركة النهضة العراقية فيه، وإن كان من أبرز أصواتها وأكثرها إثارة للجدل.
تتيح قراءة شعره ضمن تقاليد الهجاء العربي ملاحظة تحول مهم في وظيفة القصيدة. فإذا ارتبط الهجاء في نماذج قديمة بالمنافسة ونقض المكانة، كما يظهر في تجربة جرير وخفة العبارة وقوة الضربة، فإن الزهاوي وجّه الضربة غالبا إلى فكرة أو مؤسسة أو ممارسة عامة. بقيت حدّة الهجاء، لكن ميدانها اتسع ليشمل المجتمع والسلطة والأسئلة الميتافيزيقية.
من بيت الإفتاء إلى فضاء السؤال
نشأ الزهاوي في أسرة دينية محافظة، وكان والده مفتي بغداد. تمنح هذه النشأة تمرده دلالة خاصة؛ فهو لم يقف خارج الثقافة الدينية تماما، بل عرف بيئتها من الداخل ثم اصطدم بما رآه فيها من جمود وخرافة وسوء استخدام للسلطة الرمزية. ومع ذلك لا ينبغي تحويل هذا المسار إلى رواية مبسطة عن قطيعة نهائية بين الابن ومحيطه، لأن موقفه الديني نفسه ظل موضع اختلاف.
تختلف المصادر في تقييم معتقده. فقد اتهمه بعض معاصريه بالإلحاد والزندقة، ولا سيما بسبب جرأته في «ثورة في الجحيم» وما ظهر في شعره من شك فلسفي. في المقابل، يرى باحثون أنه كان مسلما إصلاحيا يهاجم التخلف والجمود ورجال الدين المزيفين، لا أصل الدين. ولا يمكن الجزم بموقف عقدي نهائي اعتمادا على لغة شعرية جدلية تتعمد الاستفزاز وطرح الأسئلة.
يظهر اتساع أفقه كذلك في اهتماماته العلمية والفلسفية؛ فقد ألّف كتبا في الجاذبية وتفسيرها، وعرف بلقبي «فيلسوف بغداد» و«معري العصر». ولا تعني هذه الألقاب إثبات قيمة علمية محددة لمؤلفاته، لكنها تدل على الصورة التي ارتبطت به: شاعر يريد أن يناقش الكون والمجتمع، وألا يحصر القصيدة في الوصف أو المناسبة.
بهذا المعنى، لم يكن انتقاله من البيئة المحافظة إلى التمرد انتقالا من معرفة إلى فراغ، بل من سلطة الأجوبة الموروثة إلى قلق السؤال. وقد انعكس ذلك في شعر مباشر، يقوم أحيانا على التقرير والاحتجاج، لكنه يستخدم المفارقة والصورة المتقابلة كي يحول الفكرة إلى صدمة قابلة للتداول.
السخرية بوصفها نقدا للخرافة
استهدف الزهاوي الخرافات والممارسات التي رأى أنها تستثمر خوف الناس أو حاجتهم، كما هاجم من يتخذون الدين ستارا للمصلحة والنفوذ. في هذا الموضع لا تبدو السخرية رغبة في الإضحاك وحده، بل وسيلة لنزع الهيبة عن ممارسة تستمد قوتها من امتناع المجتمع عن مساءلتها.
دعِ التمسحَ بالأبوابِ والعتَبِ
ولا تُصدِّقْ بما يُروى من الكذبِ
فما لقبـرٍ بحيٍّ قطُّ منفعةٌ
ولا لحيٍّ لديهِ قطُّ من أربِ
جميل صدقي الزهاوي، ديوان الزهاوي، ضمن دراسة «الأفكار الاجتماعية والسياسية في شعره».
يبدأ القول بفعل أمر: «دع»، ثم يتبعه نهي صريح عن التصديق. هذه البنية لا تترك مساحة كبيرة للمواربة، لأن الشاعر يريد نقل المتلقي من التسليم إلى الفحص. ويجمع بين صورة حسية، هي التمسح بالأبواب والعتب، وحكم عقلي ينفي المنفعة المتوهمة. وبذلك ينتقل الهجاء من مهاجمة شخص بعينه إلى تفكيك العلاقة بين الاعتقاد والسلوك.
تكمن المفارقة في أن ما يكتسب قداسة اجتماعية يعاد تقديمه بوصفه فعلا بلا أثر. فالشاعر لا يكتفي بإعلان رفضه، بل يجرد الممارسة من المنفعة التي تمنحها معناها لدى أصحابها. وقد أكسبه هذا الأسلوب خصوما؛ لأن السخرية حين تمس رمزا اجتماعيا لا تواجه الرأي وحده، بل تواجه شبكة من العادات والسلطات.
تقترب حدته هنا من الجرأة الساخرة التي يمثلها في التراث بشار بن برد، غير أن خصوصية الزهاوي تتصل بالسياق النهضوي وبربط النقد بمفردات العقل والتقدم الاجتماعي. ولم تكن معركته مع المتدينين جميعا، وفق القراءة الإصلاحية لموقفه، بل مع الخرافة والجمود واستغلال الدين؛ ولذلك يلزم التفريق بين نقد المؤسسة أو الممارسة وبين إصدار حكم قاطع على اعتقاده الشخصي.
«ثورة في الجحيم»: السخرية الميتافيزيقية
بلغ هذا المنحى ذروته في مطولة «ثورة في الجحيم»، التي نشرها عام 1931 وجاءت في أكثر من أربعمئة بيت. تأثر الزهاوي فيها بـ«رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري و«الكوميديا الإلهية» لدانتي، لكنه لم يقدم تقليدا آليا لأي منهما؛ بل وظف الرحلة الأخروية والسخرية الميتافيزيقية لمناقشة قضايا العلم والتنوير ومصير أصحاب الفكر.
بعد أن متُّ واحتواني الحفيرُ
جاءني منكرٌ وجاء نكيرُ
مَلِكانِ اسطاعا الظهورَ ولا أدري
لماذا اسطاعا وكيف الظهورُ
جميل صدقي الزهاوي، «ثورة في الجحيم»، 1931.
تبدأ الصورة من واقعة الموت والدفن، لكنها سرعان ما تتحول إلى مشهد استجواب معاكس. فبدلا من أن يكتفي المتكلم بتلقي السؤال، يسأل هو عن كيفية الظهور وسببه. إن عبارة «ولا أدري» لا تعلن معرفة بديلة، بل تفتح ثغرة في المشهد الموروث وتسمح للعقل بأن يتدخل في منطقة تقوم عادة على التسليم.
تستمد السخرية قوتها من وضع لغة الفحص داخل عالم غيبي. وهي لا تقدم برهانا فلسفيا منظما بقدر ما تخلق مفارقة: الشخص الذي ينتظر أن يكون موضوعا للحساب يتحول إلى ذات سائلة. ومن خلال تصوير العباقرة في الجحيم، يعيد الزهاوي النظر في المعايير التي يوزع بها المجتمع صفات الإيمان والانحراف، والفضل والعقاب.
غير أن جرأة المطولة لا تكفي للحكم بأن صاحبها أنكر الألوهية إنكارا مطلقا. تختلف المصادر في تفسير شكوكه، وقد تكون أسئلة النص جزءا من استراتيجية شعرية هدفها زعزعة اليقين الاجتماعي السهل. فالمطولة توجه تهكمها إلى التصورات الجامدة وإلى خصومة المجتمع مع العلم والفكر، أكثر مما تقدم مذهبا عقديا متكاملا يمكن نسبته إلى الشاعر بلا تحفظ.
هنا يلتقي لقبه «معري العصر» مع طبيعة مشروعه، لا بوصفه مساواة نقدية نهائية بين تجربتين، بل إشارة إلى حضور السؤال العقلي والسخرية من المصائر التي تصنعها الأحكام البشرية. لقد جعل الزهاوي الجحيم مرآة للأرض: ما يبدو حديثا عن العالم الآخر يتحول إلى محاكمة للواقع ولطرائق تصنيف الناس فيه.
معركة السفور ودلالة الإصلاح الاجتماعي
كانت قضية المرأة من أشد معارك الزهاوي الاجتماعية إثارة للخصومة. دعا إلى تحريرها، وطالب بالسفور وترك الحجاب في مقالاته وقصائده، ومن أشهر مواقفه مقالته المنشورة في جريدة «المؤيد» عام 1910. وقد أثارت دعوته حملات مجتمعية ودينية قاسية، لأن خطابه اصطدم مباشرة بمعايير راسخة في بيئة محافظة.
أسفري فالحجابُ يا ابنةَ فِهرٍ
هو داءٌ في الاجتماعِ وخيمُ
أسفري فالسفورُ صُبحٌ بهيّ
والحجابُ المَذميمُ ليلٌ بهيمُ
جميل صدقي الزهاوي، ديوان الزهاوي، قصيدة «السافرة».
يبني البيتان موقفهما على تقابل حاد بين الصبح والليل، والصحة والداء. فالحجاب لا يعرض بوصفه اختيارا فرديا، بل بوصفه مشكلة «في الاجتماع»، بينما يصبح السفور علامة على الضوء والانفتاح. هذه الثنائية تمنح الدعوة قوة خطابية واضحة، لكنها تكشف أيضا ميل الزهاوي إلى تقسيم المشهد بين ماض مظلم ومستقبل مضيء، من غير مساحة واسعة للتدرج.
ينبغي قراءة هذه الدعوة ضمن معناها الإصلاحي الوارد في المصادر: تعليم المرأة وتمكينها من المشاركة الاجتماعية ومواكبة التطور الحضاري. ولا يصح تكرار اتهام خصومه لها بأنها دعوة إلى الانحلال الأخلاقي، لأن ذلك يخلط بين مطلب المشاركة العامة وبين الأحكام التي ألصقت به في سياق المعركة.
مع ذلك، لا يلزم أن تتحول القراءة التاريخية إلى تبن كامل لصيغة خطابه. فالأمر المتكرر «أسفري» يضع الشاعر في موقع من يقرر للمرأة شكل حضورها، حتى وهو يدافع عن تحررها. وتكشف هذه المفارقة حدود بعض خطابات الإصلاح في عصره: إنها تطلب توسيع دور المرأة، لكنها قد تتحدث باسمها بدلا من الإصغاء إلى تعدد خياراتها. ولا يلغي هذا النقد جرأة موقفه في سياقه، بل يجعله قابلا للفهم من منظور تاريخي ومنظور معاصر معا.
الهجاء السياسي ومحنة الاستبداد
لم يقتصر تمرد الزهاوي على المجالين الديني والاجتماعي، بل واجه الاستبداد السياسي العثماني. وقد تعرض للسجن والتضييق في عهد السلطان عبد الحميد الثاني بسبب قصائده التي هجا فيها الاستبداد. وفي هذا الباب يصبح الهجاء مساءلة لمصدر الشرعية نفسه، لا مجرد إدانة لقرار منفرد.
أيأمر ظلُّ الله في أرضه بما
نهى اللهُ عنه والرسولُ المبجلُ
فيُفقر ذا مال وينفي مبرَّأً
ويسجن مظلوماً ويَسبي ويَقتلُ
جميل صدقي الزهاوي، ديوان الزهاوي، في هجاء السلطان عبد الحميد الثاني.
ينهض البيتان على سؤال استنكاري يكشف التناقض بين اللقب والممارسة. فعبارة «ظل الله في أرضه» تستدعي ادعاء الشرعية، ثم تأتي الأفعال المتتابعة لتقوضه: يفقر، وينفي، ويسجن، ويسبي، ويقتل. لا يحتاج الشاعر إلى شتيمة مباشرة؛ إذ تكفي مقابلة الاسم المهيب بالأفعال المنسوبة إلى الحكم كي يتكون الهجاء.
وتقرب هذه الوظيفة شعره من مسار دعبل الخزاعي والهجاء السياسي في مواجهة السلطة، مع اختلاف الأزمنة والأنظمة والقضايا. فالجامع هو انتقال القصيدة من تسجيل السخط إلى فضح المسافة بين خطاب الحاكم وواقع المحكومين. أما سجن الزهاوي والتضييق عليه فيكشفان أن القصيدة لم تكن في نظر السلطة كلاما محايدا، بل فعلا يمكن أن يهدد صورتها.
مع ذلك، ليست صورته السياسية خالية من الالتباس. يرى بعض النقاد أنه تقلب في مواقفه، إذ مدح الإنجليز ونظمهم في بعض الفترات ثم عاد إلى التنديد بظلم الاستعمار. ويبرر آخرون ذلك بالبراغماتية أو بتغير قناعاته مع تطور الأحداث المضطربة في العراق. ولا يمكن الجزم بتفسير واحد اعتمادا على الوقائع المتاحة؛ لكن هذا الاختلاف يمنع تحويله إلى رمز سياسي متماسك لا يعرف المراجعة أو التناقض.
بلاغة المواجهة وإرث الشاعر
تكشف النماذج السابقة أن شعر الزهاوي يقوم كثيرا على أدوات واضحة: فعل الأمر، والسؤال الاستنكاري، وتتابع الأفعال، والتقابل بين النور والظلام أو الادعاء والممارسة. وهي أدوات تناسب قصيدة تريد التدخل في النقاش العام. فالمعنى لا يختبئ خلف زخرفة كثيفة، بل يتقدم في صورة حجة مشحونة بالإيقاع والانفعال.
تمنح السخرية هذا الخطاب قدرة على خفض مهابة الخصم. الخرافة تفقد حصانتها حين تسأل عن منفعتها، والسلطة تفقد لقبها حين تقارن أفعالها بمصدر شرعيتها، والتصور الأخروي الجامد يصبح قابلا للمناقشة حين يدخل إليه صوت يسأل «كيف» و«لماذا». بهذا لم تكن السخرية هامشا في شعره، بل آلية لتنظيم رؤيته الإصلاحية.
غير أن المباشرة نفسها جعلت شعره شديد الارتباط بمعاركه. فهو لا يقدم حلولا نهائية لجميع الأسئلة التي يثيرها، كما أن مواقفه الدينية والسياسية لا تنتظم دائما في صورة واحدة خالية من التوتر. لكن هذا التوتر جزء من دلالته التاريخية: شاعر خرج من أسرة دينية محافظة، واهتم بالعلم والفلسفة، وواجه السلطة، وخاض معركة اجتماعية حول المرأة، فحمل شعره تناقضات زمن التحول.
لهذا يبقى الزهاوي من أبرز رواد النهضة الأدبية والفكرية في العراق والعالم العربي خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لم يكن الشاعر العراقي الوحيد في ذلك المسار، ولم تكن كل آرائه بمنأى عن النقد، إلا أن تجربته وسعت مجال الهجاء: من طعن الخصم الفرد إلى مساءلة النظام الاجتماعي والسياسي، ومن السخرية العابرة إلى قلق فلسفي وجد ذروته في «ثورة في الجحيم».
إرثه الأوضح أن القصيدة تستطيع أن تدخل قلب السجال العام من غير أن تتخلى عن أدواتها. ففي شعره يصبح الاستفهام اعتراضا، والمفارقة محاكمة، والصورة المتقابلة اقتراحا لتغيير الواقع. أما الخلاف حول معتقده وتقلباته السياسية وحدود خطابه الإصلاحي، فلا ينتقص من ضرورة قراءته؛ بل يحول دون اختزاله في لقب واحد أو موقف منفرد.
المصادر والمراجع
- «الأفكار الاجتماعية والسياسية في شعر جميل صدقي الزهاوي: دراسة تحليلية نقدية»، مجلة الجامعة العراقية، الجامعة العراقية.
- فاضل عبد الأمير شريف، «أثر التراث الحكائي العربي في مطولة ثورة في الجحيم لجميل صدقي الزهاوي»، مجلة الآداب، جامعة بغداد، مارس 2020.
- محمد الحمامصي ووليد صالح الخليفة، «ثورة في الجحيم لجميل صدقي الزهاوي بالإسبانية»، ميدل إيست أونلاين، 3 يوليو 2024.
- روفائيل بطي، «الأدب العصري في العراق العربي»، 1923، نسخة منشورة لدى مؤسسة هنداوي.
- ناظم حيات بن رضوان الرحمن، «الزهاوي ذلك الشاعر الظريف».



