لا يعمل الهجاء اللبناني في حقل واحد. فقد يظهر بيتًا زجليًا يقال أمام جمهور مترقب، أو تعليقًا صحفيًا يضغط المعنى في مفارقة لاذعة، أو شخصية كاريكاتيرية تواجه أهل السلطة بملامح المواطن العادي، أو نقدًا أدبيًا يوازن بين الفكاهة والتقويم. وما يجمع هذه الصور ليس مجرد الرغبة في الإضحاك، بل تحويل الضحك إلى موقف: كشف التناقض، وتقليص هيبة المتعالي، وإعادة المسألة العامة إلى لغة يفهمها الناس ويتداولونها.

لهذا يصعب اختزال الهجاء في الشتيمة أو الخصومة الشخصية. فالسخرية قد تكون طريقة في الترحيب، كما قد تكون أداة نقد سياسي واجتماعي، وقد تتجه إلى الأدب نفسه فتفحص لغته وقيمه. وفي لبنان تداخلت هذه الوظائف مع تعدد المنابر: القصيدة الفصيحة، والزجل المحكي، والمبارزة الجماهيرية، والمجلة الساخرة، والرسم الكاريكاتيري. ويتيح هذا التداخل قراءة الهجاء بوصفه ممارسة ثقافية عامة، لا غرضًا شعريًا معزولًا.

بين الفصحى والزجل والصحافة

يشمل الهجاء في الشعر اللبناني القصيدة الفصيحة كما يشمل الشعر المحكي، ولا يصح حصره في الزجل. غير أن الشواهد الموثقة في المادة المعتمدة هنا تتركز على الزجل المنبري والصحافة والنقد الأدبي؛ لذلك لا يمكن تسمية شعراء فصحى أو إيراد أبيات غير مثبتة. وتفيد هذه الحدود في تجنب بناء تاريخ واسع على أمثلة غير موثقة، مع إبقاء الصورة العامة مفتوحة على تعدد الأشكال.

تختلف طبيعة السخرية باختلاف وسيطها. فالشاعر المنبري يعمل أمام خصم وجمهور، ويحتاج إلى سرعة التقاط العبارة وردها. أما الصحافة الساخرة فتستفيد من انتظام الصدور، ومن الجمع بين الكلمة والصورة والشخصية المتخيلة. وفي النقد الأدبي تصبح السخرية أبطأ إيقاعًا وأكثر اتصالًا بالحكم على النصوص والظواهر. ومع ذلك تلتقي الوسائط الثلاثة في الاقتصاد اللغوي: فالجملة الساخرة تنجح غالبًا حين تحمل ظاهرًا قريبًا وباطنًا يفتح باب التأويل.

ومن المفيد وضع التجربة اللبنانية إلى جانب مسارات عربية قريبة من غير افتراض التطابق بينها؛ إذ يمكن الرجوع إلى الهجاء في الشعر السوري: من الزجل الشعبي إلى السخرية السياسية، وإلى الهجاء في الشعر المصري: من العامية إلى القصيدة السياسية، وكذلك إلى الهجاء في الشعر العراقي: مدينة السياسة ومرارة السخرية. تكشف هذه القراءات الموازية اتساع الصلة بين العامية والمنبر والسياسة في تجارب عربية متعددة، من دون أن تلغي الخصوصية التاريخية لكل بلد.

الزجل اللبناني: جذور مختلف فيها ووظيفة حية

يوجد تباين بين الباحثين في تحديد الجذور الدقيقة للزجل اللبناني. فبعضهم يراه امتدادًا للزجل الأندلسي الذي انتقل إلى بلاد الشام، بينما يربطه آخرون، استنادًا إلى مخطوطات المطران جبرائيل القلاعي، باللغة السريانية والأناشيد الكنسية في جبل لبنان. ولا يمكن الجزم بين هذين التصورين اعتمادًا على المادة المتاحة، كما أن عرضهما لا يقتضي التعامل معهما بوصفهما روايتين متناقضتين بالضرورة؛ فقد تكون الأشكال الأدبية نتاج طبقات لغوية وأدائية متراكبة.

المؤكد أن الزجل اللبناني تجاوز كونه نظمًا باللهجة المحكية إلى أن صار مؤسسة أدائية ذات حضور اجتماعي. وقد أدرجته منظمة اليونسكو رسميًا عام 2014 في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية. يحمل هذا الإدراج دلالة تتصل بطريقة إنتاج الزجل وتلقيه، لا بالنص وحده: فثمة شاعر وصوت وإيقاع ومبارزة وجمهور وذاكرة تتناقل الصيغ والأدوار.

وصف موسى زغيب هذه المركزية بقوله: «الزجل اللبناني هو أب جميع متفرّعات الشعر اللبناني المحكي، هو أب الأغنية اللبنانية... وشاعر المنبر يحتاج إلى مؤهلات كثيرة، أولها أن يكون شاعراً، ثم أن تكون لديه سرعة البديهة». يربط هذا القول بين الأصل الشعري والكفاءة الأدائية. فلا تكفي القدرة على الوزن والقافية إذا عجز الشاعر عن قراءة الموقف، كما لا تكفي سرعة الرد إذا خلا الكلام من الصنعة. وتصبح السخرية هنا امتحانًا مزدوجًا للخيال والحضور.

شحرور الوادي والهجاء المغلف بالترحيب

يعد أسعد الخوري الفغالي، المعروف بشحرور الوادي (1894-1937)، من أبرز مؤسسي المنبر الزجلي ورواد النهضة الزجلية في لبنان. ارتبط اسمه بسرعة البديهة في الارتجال، وبنوع من الهجاء لا يأتي دائمًا في صورة مواجهة صريحة، بل قد يتخفى داخل التحية والمجاملة. وهذا البناء أكثر تعقيدًا من السب المباشر، لأنه يحافظ على ظاهر المناسبة ثم يقلب معناها بلمحة مفاجئة.

ومن أشهر ما ينسب إليه في استقبال وزير المعارف المصري طه حسين:

أهلا وسهلا بطه حسين
ربي أعطاني عينتين
العين الواحدة بتكفيني
خذلك عين وخلي عين

ترد هذه الأبيات في مصدرها بوصفها مبارزة زجلية ارتجالية ترحيبًا بطه حسين. ويقوم أثرها على الانتقال السريع من عبارة الاستقبال المألوفة إلى مفارقة تتصل بفقدان الضيف بصره. غير أن قراءتها اليوم تقتضي الانتباه إلى حساسيتها؛ فهي تستعمل الإعاقة الجسدية مادة للملاطفة الساخرة، وهو أسلوب ارتبط بسياق شفهي قديم ولا ينبغي تحويله إلى ترخيص للتنمر. قيمتها التحليلية تكمن في كشف آلية «الهجاء المبطن بالترحيب»: المضيف يعلن الكرم، ثم يبالغ فيه تخييليًا حتى يعرض إحدى عينيه، فتتجاور الجرأة والمجاملة في العبارة نفسها.

وتوضح الأبيات كذلك أهمية الجمهور. فالتحول الدلالي لا يعتمد على الكلمات وحدها، بل على توقيت القول ونبرته ومعرفة السامعين بالشخصيتين والمناسبة. وما يبدو عند عزله عن مجلسه تعليقًا حادًا، يمكن أن يؤدي في سياقه وظيفة المداعبة وإظهار البديهة. لكن السياق لا يلغي إمكان النقد الأخلاقي اللاحق؛ إذ تستطيع القراءة المعاصرة تقدير الصنعة من غير تكرار منطق السخرية من الإعاقة أو تبنيه.

هل يولد الهجاء المنبري في اللحظة؟

تختلف الآراء في مقدار الارتجال داخل الزجل المنبري. فالصورة الشائعة تقدمه بوصفه إبداعًا وليد اللحظة، أو «عفو الخاطر»، بينما يرى بعض الباحثين وشعراء القلم أن المنشد قد يعتمد على تحضير سابق وقوالب جاهزة يطوعها للمقام. ولا يلزم من ذلك نفي الموهبة أو الحضور؛ فالجاهزية نفسها قد تكون ثمرة تدريب طويل، كما أن اختيار القالب المناسب وإعادة تركيبه أمام الخصم يظلان فعلين إبداعيين.

يفيد هذا التمييز في فهم السخرية الزجلية. فبعض الردود قد يكون وليد عبارة طارئة، وبعضها الآخر يستدعي مخزونًا من القوافي والصور والمقدمات. أما شعر القلم فيكتب وينقح قبل إلقائه، ولا يصح إدخاله كله تحت اسم الارتجال. وهكذا لا يعود السؤال: هل القصيدة محضرة أم مرتجلة؟ بل: ما مقدار التحضير، وما الذي أضافه الموقف الحي إلى المادة المحفوظة؟

برز في الجيل الثاني من شعراء الزجل اللبناني زغلول الدامور، واسمه جوزيف الهاشم، إلى جانب زين شعيب وخليل روكز وموسى زغيب. وقد وظف هؤلاء الهجاء والسخرية في المبارزات المنبرية. وتدل جماعية الأسماء على أن الظاهرة لم تتوقف عند موهبة شحرور الوادي، بل استمرت في أجيال لاحقة ضمن تقاليد للمواجهة الشعرية. في هذا الإطار لا يكون الخصم عدوًا بالضرورة؛ إنه شريك في صناعة المشهد، لأن جودة الرد تتوقف على قوة القول الذي سبقه.

للمبارزة أيضًا وظيفة في ضبط الهجاء. فهي تضعه داخل قواعد إيقاعية ومنبرية وتفرض على الشاعر أن يرد بالشعر لا بالعنف. ومع أن الحدة قد تبلغ المبالغة، فإن الوزن والقافية وتوقع جواب الخصم تحول الخصومة إلى أداء مشترك. ومن هنا تنبع المفارقة: يتنافس الشعراء على الغلبة، لكن نجاح السهرة يتطلب أن يبقى التنافس منتجًا للكلام.

«الدبور» والصحافة بوصفها منبرًا ساخرًا

لم يبدأ النشاط الساخر في الصحافة اللبنانية بعد الاستقلال وحده؛ فقد عرفته البلاد خلال العهد العثماني ومرحلة الانتداب الفرنسي. وفي عام 1923 أسس يوسف مكرزل مجلة «الدبور» اللبنانية الساخرة، التي أدت دورًا بارزًا في النقد السياسي والاجتماعي اللاذع. يحمل اسم المجلة نفسه تصورًا لوظيفتها: حشرة صغيرة قياسًا إلى الأجسام التي تلسعها، لكنها تجعل حضورها محسوسًا بالألم والإزعاج.

يختلف عمل المجلة عن ضربة الشاعر المنبري. فالصحافة تحول السخرية إلى موعد متكرر، وتتيح لها متابعة الشخصيات والأزمات بدل الاكتفاء برد واحد. كما تمنحها قابلية الانتشار خارج المجلس الشفهي. وحين يدخل الرسم الكاريكاتيري إلى الصفحة، يصبح الاختزال بصريًا ولغويًا في آن: ملامح مضخمة، وإشارة مألوفة، وتعليق يعيد ترتيب العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

لا تعني السخرية السياسية أنها تقدم برنامجًا سياسيًا متكاملًا. قوتها في أحيان كثيرة سلبية بالمعنى الكاشف: إنها تزيل قناع الوقار عن خطاب متناقض، أو تجعل الفجوة بين الادعاء والواقع مرئية. وقد تكون هذه الوظيفة محدودة إذا استقرت عند الإضحاك، لكنها تصبح أكثر نفاذًا حين تدفع القارئ إلى إعادة النظر في اللغة التي تخاطبه بها السلطة أو الأعراف الاجتماعية.

«أبو خليل»: المواطن يدخل الكاريكاتير

ابتكرت الصحافة اللبنانية الساخرة شخصيات كاريكاتيرية تعبر عن وجدان الناس وتسخر من السلطة، ومن أبرزها شخصية «أبو خليل» التي ظهرت على صفحات مجلة «الصياد». أهمية هذه الشخصية لا تنحصر في مظهرها المرسوم، بل في موقعها الرمزي: إنها وسيط يتيح للصحيفة أن تتكلم بلسان قريب من الشارع، وأن تجعل الفرد العادي حاضرًا في مواجهة أصحاب المناصب.

تساعد الشخصية المتكررة على بناء ذاكرة بين الصحيفة وقارئها. فبدل البدء من الصفر في كل رسم، يعود «أبو خليل» محملًا بموقع معروف سلفًا، وتصبح ردود فعله على السلطة جزءًا من هويته. إنه ليس شخصًا تاريخيًا مطلوبًا منه تقديم شهادة محايدة، بل قناع فني يضغط خبرات عامة في هيئة واحدة. ومن ثم يستطيع أن يجسد الغضب أو الدهشة أو الشك من غير أن يدعي تمثيل كل اللبنانيين تمثيلًا حرفيًا.

وفي الانتقال من الشاعر الزجلي إلى الشخصية الكاريكاتيرية تغيرت صورة المتكلم الساخر. على المنبر نعرف اسم الشاعر ونراقب مبارزته، أما في الرسم فتتكلم شخصية مصنوعة تتجاوز فرد مؤلفها. لكن الأثر الاجتماعي متقارب: كلاهما يقلل المسافة بين اللغة العامة والجمهور، ويعيد صياغة الشأن السياسي في عبارة أو صورة قابلة للتداول.

مارون عبود وحدود السخرية

يعد الأديب والناقد اللبناني مارون عبود (1886-1962) من أبرز من وظفوا السخرية والفكاهة في النقد الأدبي والقصة. ويمثل حضوره انتقالًا من سخرية المناسبة والمنبر إلى سخرية الكاتب الذي يراقب النصوص والطباع ويصدر أحكامًا عليها. في هذا المجال لا تكون النكتة فاصلة للترفيه، بل أداة نقد قد تختصر وصفًا طويلًا أو تكشف ضعفًا تحجبه اللغة الاصطلاحية.

يقسم مارون عبود السخرية إلى نوعين بقوله: «مهما تنوعت السخرية وتشعبت إلا أنها تنقسم الى قسمين... السخرية الإيجابية: وهى التى تتعامل مع المسخور منه بكثير من الاتزان. والسخرية السلبية: وهى التى تستخدم المبالغة الى حد التطرف والإثارة والنهش».

يقدم هذا التقسيم معيارًا أخلاقيًا وجماليًا معًا. فالسخرية الإيجابية لا تتخلى عن حدتها، لكنها تضبطها بالاتزان، أي إنها تهاجم الخلل من غير أن تجعل تحطيم الشخص غاية مستقلة. أما السخرية السلبية فتتحول فيها المبالغة إلى «نهش»، فتستهلك موضوعها بدل أن تفسره. وليست المسافة بين النوعين ثابتة دائمًا؛ فقد يقرأ جمهور ما قولًا بوصفه مداعبة، بينما يراه جمهور آخر إهانة، وخصوصًا حين يتعلق بصفة جسدية أو هوية اجتماعية.

يساعد هذا التمييز على قراءة أمثلة الزجل والصحافة أيضًا. فسرعة البديهة ليست إعفاء من المسؤولية، والنقد السياسي لا يبرر كل تجريح، كما أن الاتزان لا يعني إفراغ السخرية من قوتها. القيمة الأعمق للسخرية تظهر حين تصيب علاقة أو فكرة أو سلوكًا عامًا، بدل أن تستبدل الحجة بالإذلال.

من الذاكرة الشفهية إلى المجال الرقمي

لا تقدم المصادر المعتمدة معطيات تفصيلية تتيح الحكم على حاضر الشعر الساخر في الإعلام الرقمي أو قياس جمهوره. لذلك لا يمكن الجزم بأن المنصات الجديدة أضعفت المنبر الزجلي أو حلت محل الصحافة الساخرة. لكن تاريخ الأشكال المدروسة يكشف عنصرًا قابلًا للاستمرار: قدرة السخرية على الانتقال بين الوسائط، من الصوت والمبارزة إلى المجلة والرسم.

ويظل التحدي في المجال الرقمي متصلًا بالتمييز الذي صاغه مارون عبود. فالاختصار وسرعة التداول قد يخدمان المفارقة الذكية، وقد يدفعان أيضًا إلى المبالغة والنهش وفصل الكلام عن سياقه. مستقبل الهجاء لا يتوقف، وفق هذا المنظور، على بقاء وزن شعري بعينه أو مجلة بعينها، بل على قدرته على الاحتفاظ بالنقد وسط إغراء الإهانة السهلة.

تكشف التجربة اللبنانية أن الهجاء كان أكثر خصوبة حين اجتمعت فيه الصنعة والمساءلة: شاعر يرد ولا يكتفي بالصخب، وصحيفة تلسع لتكشف تناقضًا، وشخصية كاريكاتيرية تمنح المواطن موقعًا في الصورة، وناقد يضع حدودًا بين السخرية المتزنة والسخرية التي تنقلب إلى نهش. بهذه العناصر يصير الضحك جزءًا من الوعي العام، لا استراحة عابرة منه.

المصادر والمراجع

  1. محمد عيد الخربوطلي، «الصحافة الساخرة في بلاد الشام.. في العهد العثماني والاحتلال الأوروبي»، رابطة أدباء الشام، 31 يوليو 2004.
  2. «رؤساء لبنان مادة دسمة للكاريكاتير»، اندبندنت عربية، 14 أغسطس 2022.
  3. محمد عزوز، «الشاعر اللبناني جوزيف الهاشم المعروف بزغلول الدامور»، موسوعة راحلون، 27 يناير 2024.
  4. سيمون بطيش، «الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبود»، مكتبة نور.
  5. «ندوة حول الكاريكاتير السياسي بين الأمس واليوم»، وكالة الأنباء المركزية، 22 أكتوبر 2022.
  6. «مؤتمران عربيان بمصر والإمارات: رؤى وتحولات بالمنصورة ونوادر جحا بالشارقة»، مجلة الثقافة الشعبية.
  7. موسى زغيب، مقابلة مع جريدة المستقبل، 2003.
  8. «دراسات في الفكاهة والسخرية في أدب مارون عبود».