لم يكن الهجاء في العهد العثماني مجرد بقية باهتة من خصومات الشعراء القدماء. فقد تغيرت البيئة التي يصدر عنها، وتبدلت موضوعاته ولغته وجمهوره. انحسر البعد القبلي الذي طبع جانبًا مهمًا من الهجاء القديم، وبرزت بدلًا منه سخرية تراقب الحياة اليومية، وتلتقط الفقر واختلال الأحوال الاجتماعية، وتمنح المدينة والطبقة الوسطى والعامة حضورًا أوضح في الأدب.
هذا التحول لا يعني انقطاع الصلة بالموروث. فقد ظل الشاعر يستعير الأوزان والقوافي والقوالب المألوفة، لكنه كان يملؤها بمادة مختلفة: الطعام بدل المآثر، والجوع بدل الفخر، والمفردة اليومية بدل العبارة الرسمية. هكذا غدا القالب القديم وسيلة لقول تجربة اجتماعية جديدة، وصارت المحاكاة نفسها ضربًا من النقد.
يمتد العصر العثماني في الأدب العربي، على نحو تقريبي، من سقوط دولة المماليك سنة 1517م إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ولا يمكن اختزال هذه القرون في حكم واحد؛ فهي تجمع تراجعًا في بعض المؤسسات اللغوية الرسمية، واستمرارًا للفصحى، وصعودًا لأشكال عامية وشعبية عبرت عن شرائح لم تكن في مركز المدونة الأدبية التقليدية.
العصر العثماني بين حكم الانحطاط ومنطق التحول
تختلف المصادر في تقييم الحياة الأدبية في هذا العصر. فقد رأى نقاد تقليديون، ومنهم شوقي ضيف، أن الشعر غلب عليه الجمود، وأن أصحابه أعادوا إنتاج القصائد الموروثة من غير طاقة فنية حية. ويلخص ضيف هذا الموقف بقوله:
ولا نستطيع أن نقول: إن الشعر انعدم في العصر العثماني، فقد كان موجودا، إذ اقتصر على جماعة يقرؤون بعض القصائد الموروثة... فيعارضونها، أو يخمسونها، أو يربعونها، فيأتون بنماذج، لا روح فيها، ولا جمال.
لا ينفي هذا الحكم وجود الشعر، لكنه يقيسه أساسًا بمعايير القصيدة الفصيحة الموروثة. ومن هذه الزاوية تبدو المعارضة والتخميس والتربيع علامات على ضعف الابتكار. غير أن هذا المقياس لا يفسر وحده ما وقع خارج المجال الأدبي الرسمي، ولا يكشف الوظائف الاجتماعية التي اكتسبتها المحاكاة الساخرة حين انتقلت إلى موضوعات الفقر والطعام والحياة اليومية.
في المقابل، أعادت أبحاث عمر موسى باشا ونيللي حنا النظر في صورة «الانحطاط» الشامل. ووفق هذا الاتجاه، لم يمت الأدب، بل تغيرت دوائر إنتاجه وموضوعاته وأشكاله. ويظهر في هذا السياق أدب مرتبط بثقافة الطبقة الوسطى وبالمجتمع الحضري، كما تزداد قيمة الزجل والموال والمربعات بوصفها نصوصًا تكشف ما لا تقوله المدونات الرسمية.
الخلاف هنا ليس نزاعًا على وجود نصوص فحسب، بل على تعريف الأدب الجدير بالدراسة. فإذا حُصر الأدب في القصيدة الفصيحة التي تحاكي النماذج العليا، غلبت صورة الجمود. أما إذا شمل النظر اللغة المختلطة، والأشكال الشعبية، والسخرية الاجتماعية، ظهرت حيوية من نوع آخر. ولذلك ينبغي وضع هجاء العصر ضمن تاريخ الهجاء في الشعر العربي وتحولاته، لا باعتباره تكرارًا لما سبقه، بل بوصفه استجابة لبيئة مختلفة.
من القبيلة إلى الحارة: تغير موضوع الهجاء
كان الهجاء القديم يرتبط، في صور بارزة منه، بالدفاع عن الجماعة والطعن في خصومها. ويكشف الهجاء في العصر الجاهلي بوضوح عن صلته بسمعة القبيلة وموازين الشرف بينها وبين منافسيها. أما في العصر العثماني، فلم يعد هذا النموذج كافيًا لتفسير المادة الساخرة التي اتجهت إلى المجتمع الحضري واليومي.
لم تختف الخصومة الشخصية تمامًا، لكن بوصلة الهجاء مالت نحو تشخيص أحوال أوسع: معاناة العامة، والفقر، وتوتر العلاقة بين المظهر والواقع، والمسافة بين اللغة الرصينة والحاجة المادية الملحة. لم يعد المهجو دائمًا فردًا محددًا؛ فقد يكون وضعًا اجتماعيًا كاملًا، أو عادة شائعة، أو خطابًا يدعي الوقار بينما تحاصره ضرورات العيش.
يختلف هذا المسار كذلك عن النقائض الأموية، فلا يصح اعتباره امتدادًا مطابقًا لها. فقد قامت النقائض على بنية خصومة شعرية وسياسية وقبلية مميزة، كما يبين تاريخ الهجاء في العصر الأموي. أما الهجاء العثماني الذي تمثله المعارضات الجوعية والسخرية المدينية، فيحوّل المواجهة من شاعر يناقض شاعرًا إلى نص يحاور التراث ويصطدم بالواقع في آن واحد.
لهذا التحول أثر في وظيفة الهجاء. فبحسب تعريف الهجاء وحدوده في النقد القديم، يقوم الفن على كشف النقص وإبرازه بلغة مؤثرة، لكن النقص هنا لم يعد مقصورًا على صفات الخصم. لقد اتسع ليشمل اضطرابًا اجتماعيًا واقتصاديًا يشعر به جمهور أوسع. ومن ثم اقترب الهجاء من النقد الاجتماعي، من غير أن يفقد طاقته على الإضحاك أو المبالغة أو المفارقة.
الحارة في هذا السياق ليست مكانًا هندسيًا فحسب، بل علامة على تغير زاوية الرؤية. إن صوت المدينة الذي يظهر في هذه النصوص لا يتكلم من خارج المجتمع، بل من داخله؛ يلتقط مفرداته وأطعمته وهمومه، ويعيد تقديمها في قالب أدبي. وبذلك يصبح الهجاء أقرب إلى سجل للحياة المتداولة منه إلى بيان تصدره نخبة بعيدة عن الناس.
ازدواجية الفصحى والعامية
شهد العصر العثماني تعددية لغوية ضمت العربية والتركية والفارسية. وفي ظل هذه التعددية تراجعت الفصحى في بعض الدواوين الرسمية، لكن هذا التراجع لا يعني اختفاءها. الأصح أن المجال الأدبي عرف ازدواجية وتمازجًا: بقيت الفصحى حاضرة في القوالب والموروث، بينما برزت العامية في الزجل والموال والمربعات وفي تصوير الخبرة اليومية.
انقسم مؤرخو الأدب إزاء هذه الظاهرة. فقد رفض بعضهم إدراج الشعر العامي والزجل ضمن الأدب العربي المعتد به، لأن معيارهم يقوم على سلامة الفصحى والانتساب الواضح إلى تقاليدها. أما باحثو التاريخ الاجتماعي والأدب الشعبي، فرأوا في هذه النصوص وثائق مهمة لقراءة الواقع السياسي والاجتماعي، لأنها أقرب إلى لغة الفئات التي تعبر عنها.
تكشف تجربة عامر الأنبوطي أن العلاقة بين الفصحى والعامية لم تكن إحلالًا بسيطًا للثانية محل الأولى. فالشاعر يستطيع أن يستدعي بناءً فصيحًا، ثم يدخله في فضاء المفردات اليومية وأسماء الأطعمة. وتنبع السخرية من احتكاك المستويين: وقار الصيغة من جهة، ومادية الجوع والطعام من جهة أخرى.
هذا الاحتكاك يحمل دلالة اجتماعية. فحين تدخل مفردات المطبخ والحاجة إلى قالب ارتبط بالتعليم والرصانة، تصبح الحدود بين «الرفيع» و«اليومي» موضع مساءلة. لا يهدم الشاعر التراث، بل يستخدم سلطته الرمزية لكي يمنح موضوعًا مهمشًا حق الظهور. ومن هنا تكتسب العامية قيمة تتجاوز كونها لغة تواصل؛ إنها أداة لتغيير مركز المشهد الأدبي.
ومع ذلك، لا ينبغي قلب الحكم القديم إلى حكم مضاد مبالغ فيه. فلا يمكن الجزم بأن كل نص عامي كان نقدًا اجتماعيًا عميقًا، كما لا يصح اعتبار كل شعر فصيح جامدًا. ما تثبته المادة المتاحة هو وجود مساحة مختلطة، تتجاور فيها الفصحى والعامية، وتُستثمر فيها الفروق بينهما لإنتاج المفارقة والسخرية.
المعارضات الجوعية: التراث حين يواجه الجوع
من أبرز الظواهر في هجاء العصر العثماني ما عرف بالمعارضات الساخرة أو «المعارضات الجوعية». تقوم هذه النصوص على محاكاة قصائد أو أراجيز رصينة في وزنها وقافيتها وبنائها، ثم تحويل موضوعها إلى الطعام والفقر. ومن النماذج المرجعية التي حاكاها الشعراء ألفية ابن مالك، بما تمثله من صيغة تعليمية منتظمة وراسخة.
تتجاوز هذه المعارضة لعبة استبدال الكلمات. فالمحاكاة الساخرة تحتاج إلى بقاء الأصل ظاهرًا في ذهن المتلقي حتى يدرك المسافة بينه وبين النص الجديد. كلما بدا القالب أكثر جدية، ازدادت المفارقة حين يُملأ بأسماء المأكولات وشكوى الحرمان. ومن هذه المسافة يولد الضحك، لكنه ضحك يرد القارئ إلى واقع الفقر بدل أن يعزله عنه.
يؤدي الطعام هنا أكثر من وظيفة. فهو مادة حسية يسهل تصورها، ومعجم يومي قريب من العامة، وعلامة على تفاوت القدرة على إشباع الحاجة. لذلك لا يكون تعداد الأطعمة وصفًا بريئًا دائمًا؛ فقد يحوّل الوفرة المتخيلة إلى مرآة للحرمان الفعلي، ويجعل القصيدة تعرض ما ينقص المجتمع من خلال الإلحاح على صورته.
تمنح هذه التقنية الهجاء موضوعًا غير شخصي في الظاهر. فبدل تسمية مسؤول أو خصم، يستطيع الشاعر أن يبني عالمًا كاملًا حول الجوع والمائدة. غير أن غياب الاسم لا يلغي النقد؛ إذ تنتقل الإدانة من شخص بعينه إلى الأوضاع التي تجعل الطعام محور الخيال. وهنا يصبح الهجاء مبطنًا، يعمل بالمقابلة والإيحاء أكثر مما يعمل بالتصريح.
كما تكشف المعارضات الجوعية استمرار الصلة بالتراث رغم التحول اللغوي والاجتماعي. فالشاعر الذي يقلب الألفية إلى مقاصد الأكل لا يجهل القالب الذي يحاكيه، بل يعتمد على معرفة به وعلى معرفة جمهوره به. المفارقة، إذن، دليل تفاعل مع الموروث، وإن كان تفاعلًا ساخرًا يعيد ترتيب قيمه وموضوعاته.
عامر الأنبوطي ويوسف الشربيني: نموذجان للسخرية الاجتماعية
عامر الأنبوطي وقلب القصيدة إلى الطبيخ
يعد الشيخ عامر الأنبوطي، المتوفى سنة 1173هـ الموافقة 1755م، من أشهر شعراء الهجاء الساخر في العصر العثماني. وتقوم أهمية تجربته، بحسب المادة المتاحة، على مزج الفصحى بالعامية، وتوظيف أسماء الأطعمة، وتحويل القصائد والأراجيز المعروفة إلى نصوص هزلية تتصل بالفقر والحياة اليومية.
يصفه عبد الرحمن الجبرتي في ترجمته وصفًا يكشف مكانة المعارضة الساخرة في شعره:
ومات الشيخ الصالح الشاعر اللبيب الناظم الناثر الشيخ عامر الأنبوطي الشافعي شاعر مفلق هجاء، لهيب شراره محرق، كان يأتي من بلده يزور العلماء والأعيان. وكلما رأى لشاعر قصيدة سائرة قلبها وزناً وقافية إلى الهزل والطبيخ.
تنبغي قراءة عبارة «قلبها وزنًا وقافية» بوصفها وصفًا لآلية فنية، لا لمجرد عبث لغوي. فالأنبوطي يحتفظ بالهيكل الذي يمنح القصيدة شهرتها، ثم يغير وجهتها. والقلب هنا مزدوج: ينتقل النص من الجد إلى الهزل، ومن الموضوعات المكرسة إلى الطبيخ، ومن لغة النخبة إلى معجم يستطيع أن يلامس خبرة العامة.
وتظهر هذه الآلية في افتتاح ألفيته الجوعية:
يقول عامر هو الأنبوطي
أحمد ربي لست بالقنوطِ
وأستعين الله في ألفية
مقاصد الأكل بها محوية
لا تخرج الأبيات عن هيئة المطلع التعليمي المألوف، لكنها تعلن منذ البداية أن «مقاصد الأكل» ستكون مادة الألفية. وتعمل المفارقة بين الصياغة الجادة والموضوع المادي على مستويين: فهي تثير الضحك بسبب التفاوت، وتكشف في الوقت نفسه كيف تستطيع الحاجة اليومية أن تستولي على قالب رفيع وتعيد توجيهه.
لا يمكن اختزال شعر الأنبوطي في المزاح عن الطعام. فتكرار المأكولات في سياق المعارضات الجوعية يرتبط بالأوضاع الاقتصادية وبخبرة الفقر، وفق المصادر التي تناولت صورة الطعام في الشعر العامي الساخر. وقد تكون المائدة المتخيلة تعويضًا فنيًا عن النقص، لكنها كذلك وسيلة لفضح حضوره؛ فكل تسمية لطبق مرغوب تذكّر ضمنًا بمن لا يملكه.
يوسف الشربيني والهجاء المبطن
يمثل كتاب هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف للشيخ يوسف بن محمد الشربيني، وهو من علماء القرن الحادي عشر الهجري، نموذجًا آخر لاستخدام السخرية في تصوير المجتمع. وتنبع قيمته من كونه وثيقة أدبية واجتماعية نادرة تتناول الحياة في الريف والمدينة، وتوظف الهجاء المبطن في نقد الأوضاع السائدة.
يقوم عنوان الكتاب وصيغته على علاقة ساخرة بالشرح والتأليف، إذ تتحول هيئة العمل الشارح إلى مجال لعرض مادة اجتماعية لا تستقيم قراءتها بمعزل عن التهكم. ومع أن ملف البحث لا يقدم مقاطع موثقة من الكتاب تصلح للاقتباس هنا، فإن مكانته بوصفه مصدرًا للحياة الاجتماعية تسمح بقراءته إلى جانب شعر الأنبوطي، لا باعتبارهما تجربة واحدة، بل باعتبارهما شاهدين على اتساع المجال الساخر.
يلتقي النموذجان في تحويل اليومي إلى مادة أدبية. غير أن قيمة هذا اليومي ليست في طرافته وحدها؛ فهي كامنة في قدرته على تسجيل علاقات المجتمع ونظرته إلى ذاته. يلتقط النص الساخر ما قد لا تهتم به الكتابة الرسمية، ويحتفظ بأثر الفئات والبيئات التي لا تظهر عادة في مركز السرد التاريخي.
لكن قراءة هذه المادة تحتاج إلى حذر نقدي. فالسخرية التراثية قد تصدر أحكامًا قاسية على أشخاص أو جماعات، ولا ينبغي للباحث أن يتبنى لغتها أو يعيد إنتاجها لمجرد أنها قديمة. الأجدى تحليل موقع المتكلم، والغاية من المبالغة، وما تكشفه النبرة الساخرة عن تفاوتات المجتمع وصراعاته.
صورة السلطة والمجتمع في مرآة غير مباشرة
لا تقدم المادة الموثقة هنا أبياتًا صريحة في هجاء حاكم بعينه، ولذلك لا يمكن الجزم بأن صورة الحاكم كانت دائمًا مركز هذا الفن. غير أن النقد الاجتماعي يرسم علاقة غير مباشرة بالسلطة؛ فالكلام على الفقر ومعاناة العامة واختلال الأحوال يتصل بالبيئة التي تُدار فيها حياة الناس، حتى حين يتجنب الشاعر التسمية والمواجهة المباشرة.
هذه غير المباشرة ليست دليلًا كافيًا، في ذاتها، على موقف سياسي محدد. لكنها تفسر قدرة الهجاء المبطن على توسيع مجال النقد. فالنص قد يبدو منشغلًا بالطعام أو بالهزل، بينما يضع المتلقي أمام سؤال اجتماعي: لماذا صار الجوع مادة مهيمنة على الخيال؟ وبذلك ينتقل أثر الهجاء من الاتهام الصريح إلى بناء مفارقة يصعب فصلها عن الواقع.
أما المجتمع، فيظهر في صورة مركبة لا في هيئة ضحية صامتة. فهو منتج اللغة الساخرة وجمهورها وموضوعها في الوقت نفسه. وتكشف المعارضات والمربعات والزجل والموال عن مشاركة مستويات لغوية متعددة في التعبير الأدبي. وهذا ما يجعلها مهمة لدراسة ثقافة الطبقة الوسطى والمجتمع الحضري، لا مجرد مواد هامشية ملحقة بتاريخ الفصحى.
يمتد في هذا الجانب خيط يصل الهجاء العثماني بما عرفه الهجاء في العصر العباسي من حضور للمدينة وصراعاتها، لكن التشابه لا يلغي الاختلاف. ففي العصر العثماني اكتسبت الازدواجية اللغوية والمعارضات الجوعية والأشكال العامية وزنًا خاصًا، وصارت محاكاة النصوص الرصينة أداة بارزة لإدخال الفقر والطعام إلى قلب القول الشعري.
تتحدد الدلالة التاريخية لهذه النصوص في أنها تحفظ زاوية نظر لا توفرها الأحكام الأدبية العامة. فهي لا تقدم إحصاءً اقتصاديًا ولا سجلًا رسميًا، ولذلك لا ينبغي تحميلها ما لا تحتمل. لكنها تسجل الإحساس بالحاجة، وتوتر اللغة، ونظرة بعض الكتّاب إلى الريف والمدينة، والطريقة التي استقبل بها الأدب خبرة الطبقات الواقعة خارج مركز الثقافة الرسمية.
أي أدب نقرأ حين نقرأ الهجاء العثماني؟
يعيد الهجاء العثماني طرح سؤال تعريف الهجاء وحدوده ووظيفته. فإذا كان الهجاء كلامًا في مثالب فرد أو جماعة فقط، بدت نصوص الطعام والفقر خارجة عن مركزه. أما إذا فُهم بوصفه خطابًا يكشف الخلل ويضغط على التناقضات الاجتماعية بواسطة السخرية، فإن هذه النصوص تصبح جزءًا أساسيًا من تحوله التاريخي.
لا يلزم من ذلك إسقاط المعايير الفنية أو مساواة النصوص جميعًا. فقد يكون في العصر تكرار وصنعة ثقيلة، كما لاحظ النقاد التقليديون، وقد توجد في الوقت نفسه أشكال جديدة تستحق القراءة. المشكلة في وصف «الانحطاط المطلق» أنه يحول ملاحظة تخص جانبًا من الإنتاج إلى حكم على قرون كاملة، ويحجب الأدب الذي نما خارج الحدود التي اعتمدها ذلك الحكم.
يرجح الاتجاه البحثي الذي يمثله عمر موسى باشا ونيللي حنا أن التحول في الأشكال واللغة مرتبط بصعود ثقافة الطبقة الوسطى وباتساع التعبير عن المجتمع الحضري. وبهذا المعنى لا تكون العامية علامة فساد لغوي بالضرورة، بل دليلًا على دخول متكلمين وتجارب ومفردات جديدة إلى المجال الأدبي.
في المقابل، تبقى الفصحى عنصرًا فاعلًا في هذا الأدب. فهي القالب الذي تسمح هيبته بحدوث المفارقة، والمرجع الذي تقوم عليه المعارضة، واللغة التي تتداخل مع اليومي بدل أن تنسحب منه كليًا. لهذا تبدو ثنائية «فصحى أو عامية» أقل دقة من الحديث عن تفاعل بينهما، تفاعل قد يكون ساخرًا أو تعليميًا أو اجتماعيًا.
الهجاء بوصفه ذاكرة للمدينة
تكمن خصوصية الهجاء في العهد العثماني في أنه نقل مركز الاهتمام من الخصم المفرد إلى شروط العيش، ومن المأثرة القبلية إلى مفردات الحارة والمائدة. وبواسطة المعارضة الساخرة استطاع أن يحتفظ بإيقاع التراث بينما يغيّر مادته، وأن يجعل الطعام والفقر وسيلتين لقراءة المجتمع لا موضوعين هزليين فحسب.
لا يثبت هذا أن العصر كان زمن ازدهار متصل، كما لا يسوغ وصفه بالموت الأدبي. الأدق أنه عصر تحولات ثقافية ولغوية ظهرت فيه كتابة الطبقة الوسطى وصوت المدينة والأشكال العامية إلى جانب الفصحى. ومن هذه المنطقة المختلطة خرج هجاء يضحك من الواقع، لكنه يحفظ أيضًا أثر الذين عاشوا ثقله.
المصادر والمراجع
- عمر موسى باشا، تاريخ الأدب العربي: العصر العثماني، دار الفكر المعاصر، 1989.
- نيللي حنا، ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية (ق١٦م–ق١٨م)، مؤسسة هنداوي، 2014.
- عبد الرحمن الجبرتي، عجائب الآثار في التراجم والأخبار، مطبعة بولاق، طبعات متعددة.
- يوسف بن محمد الشربيني، هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف، طبعات تراثية متعددة.
- سامي يوسف أبوزيد، الأدب العثماني، دار المسيرة للنشر والتوزيع، 2013.
- شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في الشعر العربي.
- خالد حماد، «من ابن سودون إلى عامر الأنبوطي.. صورة الطعام في الشعر العامي الساخر».



