حين يختل ميزان القوة، تستطيع القصيدة أن تعيد ترتيب المشهد ولو داخل اللغة. فهي تنزع عن السلطة جلالها المصنوع، وتكشف التناقض بين خطابها وممارستها، وتحول المحتل أو المسؤول المتقاعس من مصدر للخوف إلى موضوع للمساءلة. في الشعر الفلسطيني لم تكن السخرية استراحة من المأساة، بل طريقة لمواجهتها من زاوية حادة: أن يُرى الواقع في مرآة تكبر تناقضاته حتى لا تعود قابلة للستر.

تعددت أهداف هذا الهجاء بتعدد أطراف الصراع السياسي: شاعر صهيوني يشمت بالعرب، ولجان تحقيق بريطانية، وقيادات تتقاعس عن أداء مسؤولياتها، واحتلال يفرض لغته، وسلطات شمولية تفصل بين خطبها والواقع. لذلك لا يستقيم اختزال التجربة في الشتيمة أو الفكاهة؛ فجوهرها هو الصراع على المعنى، وعلى حق الفلسطيني في تسمية ما يحدث بدل الاكتفاء باللغة التي تنتجها القوة.

بين الهجاء المباشر والمفارقة الحديثة

تختلف الدراسات في رسم الحد الفاصل بين الهجاء التقليدي والسخرية الحديثة. يرى بعض الباحثين أن الخطاب المباشر غلب على مرحلة ما قبل النكبة؛ إذ كان الشاعر يواجه خصمه مواجهة صريحة ويحدد موضوع اعتراضه من غير مواربة كبيرة. ثم تطورت السخرية، ولا سيما في شعر محمود درويش وسميح القاسم، إلى مفارقة فنية أكثر تركيبًا، تقوم على إبراز المسافة بين ما تدعيه السلطة وما تفعله، أو بين ظاهر العبارة وما تنطوي عليه من رفض.

هذا التمييز لا يعني أن المباشرة خالية من الفن، ولا أن المفارقة منفصلة عن الهجاء. إنهما مستويان متداخلان: قد تبدأ القصيدة بتعيين الخصم، ثم تنتقل إلى خلخلة لغته؛ وقد تستخدم النبرة الخطابية، لكنها تمنحها معنى مضادًا للسياق الذي تستعيره منه. ولهذا يصعب وضع حدود جامدة بين هجاء سياسي يريد الفضح، وسخرية تريد أن تجعل التناقض نفسه يتكلم.

وتظهر مشكلة مماثلة عند تصنيف الشعراء. فبعض النقاد لا يمنح وصف الشاعر الساخر إلا لمن غلبت السخرية على معظم أعماله، ويُقدَّم راشد حسين مثالًا في هذا النقاش. في المقابل، لا ينبغي إطلاق الوصف نفسه على محمود درويش بإطلاق؛ فقد استخدم السخرية والمفارقة في نصوص ومراحل محددة، من غير أن تصبحا صفة تختصر منجزه الغنائي والملحمي كله.

تقسم دراسات أكاديمية، ومنها دراسة فراس حج محمد عن السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم، المسار اللاحق للنكبة إلى ثلاث مراحل: 1948-1967، ثم 1967-1987، وأخيرًا 1987-1993. يفيد هذا التقسيم في ربط الأداة الفنية بالتحولات السياسية، لكنه لا يجعل عام 1948 بداية للظاهرة؛ فالهجاء السياسي الفلسطيني كان حاضرًا قبل ذلك، وتقدم تجربة إبراهيم طوقان دليلًا واضحًا.

إبراهيم طوقان: القصيدة في ميدان الخصومة السياسية

يُعد إبراهيم طوقان (1905-1941) من رواد الهجاء السياسي في الشعر الفلسطيني. وقد ظهرت هذه النزعة بوضوح في قصيدة رد على رئوبين سنة 1929، التي واجه فيها شاعرًا صهيونيًا شمت بالعرب. تكشف هذه الواقعة عن وظيفة مبكرة للقصيدة: الرد على خطاب سياسي وأدبي يحاول تثبيت الهزيمة معنويًا، ومنع الشماتة من التحول إلى رواية لا تجد من يناقضها.

لا تقوم أهمية الرد على مجرد تبادل هجائي بين شاعرين؛ فالمعركة اللفظية هنا مرتبطة بصراع يتجاوز الشخصين. حين يرد طوقان، فإنه يعيد توجيه الكلام من مستوى الإهانة الفردية إلى مستوى القضية العامة. ويصبح الهجاء دفاعًا عن جماعة يحاول خطاب الخصم اختصارها في صورة الضعف، كما يصبح إبطالًا لادعاء التفوق الذي تستبطنه الشماتة.

ولم يقتصر نقد طوقان على الخصم الخارجي؛ فقد سخر أيضًا من تقاعس القيادات السياسية. وفي قصيدة أخرى، غير رد على رئوبين، يقول:

أُنظر لِماَ فعل المظفَّر إنه
نَفَعَ القضيَّةَ غائباً لم يحضرِ
عرضوا الكفالةَ والكرامةَ عندَه
عبثاً وهل عَرَضٌ يُقاس بجوهرِ

المفارقة المركزية في الأبيات كامنة في مدح الغياب بعبارة تبدو، للوهلة الأولى، ثناءً: لقد نفع القضية لأنه لم يحضر. ينقلب المديح إلى إدانة، ويصبح غياب المسؤول أقل ضررًا من حضوره. أما المقابلة بين العَرَض والجوهر فتفضح خللًا في ترتيب القيم؛ إذ يوضع ما هو ثانوي أو شخصي في كفة، وتوضع الكرامة والقضية في كفة أخرى.

تكشف هذه النبرة أن الهجاء الفلسطيني لم يكن موجَّهًا إلى الخارج وحده. فالشاعر يرفض أن تتحول القضية إلى حصانة أخلاقية للقيادات، أو أن يُعفى المسؤول من النقد بحجة الظرف السياسي. هنا تؤدي السخرية وظيفة رقابية: إنها تستبقي حق المجتمع في محاسبة من يتكلم باسمه، وتمنع وحدة المواجهة من أن تصبح ذريعة للصمت عن التقاعس.

لجان التحقيق وسخرية المرحلة الانتقالية

وظف أبو سلمى وعبد الرحيم محمود السخرية في الهجوم على لجان التحقيق البريطانية، ومنها لجنة بيل. ويكشف اختيار اللجان موضوعًا للهجاء أن القصيدة لم تكن تلاحق الأفراد وحدهم، بل تناولت الآليات السياسية التي تُقدَّم في صورة إجراءات رسمية. فاسم اللجنة يوحي بالفحص والحياد، بينما تسمح السخرية للشاعر بمساءلة هذا المظهر وكشف المسافة بين اللغة الإدارية والواقع الذي يراه الفلسطيني.

تتجاوز هذه السخرية الاعتراض على قرار منفرد؛ إنها تشكك في قدرة الصيغة الرسمية على تمثيل التجربة التي تزعم بحثها. وعندما تصبح اللجنة مادة شعرية، تُنتزع من قاموس السلطة وتُعاد إلى المجال العام بوصفها موضوعًا للنقد. بهذا المعنى، تواجه القصيدة مؤسسة سياسية لا بالسرد التقريري، بل بتقويض الهيبة التي تحيط بمصطلحاتها.

بعد 1948 دخلت السخرية مرحلة مختلفة، وقد ربطتها الدراسات بالفترة الممتدة إلى 1967. لا توفر المادة البحثية هنا نصوصًا موثقة تسمح باقتباس تفصيلي من شعر هذه المرحلة، ولذلك لا يمكن الجزم بسمات موحدة تشمل جميع شعرائها. لكن التقسيم الزمني يشير إلى أن السخرية واصلت التفاعل مع التحولات السياسية، بدل أن تكون أثرًا ثابتًا لا يتغير.

وفي النقاش المتعلق براشد حسين، تبدو السخرية أقرب إلى سمة متكررة تسمح لبعض النقاد باتخاذه مثالًا على الشاعر الساخر. غير أن قيمة هذا التصنيف تظل منهجية أكثر منها رتبة أدبية: فهو يصف مقدار حضور الأداة في المنجز، ولا يحكم على مكانة الشاعر. كما أنه يذكر بضرورة الفصل بين قصيدة ساخرة يكتبها شاعر، ومشروع شعري تصبح السخرية فيه ملمحًا غالبًا.

سميح القاسم وذروة المواجهة في «تقدموا»

تمثل قصيدة تقدموا لسميح القاسم، إلى جانب عابرون في كلام عابر لمحمود درويش، ذروة التوظيف السياسي للسخرية خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى. ويجب التنبيه إلى أن تقدموا من شعر سميح القاسم، لا محمود درويش، إذ شاع الخلط بين الاسمين في تداولات غير موثقة.

يحمل عنوان تقدموا فعل أمر، لكن قيمته السياسية لا تُفهم بوصفها أمرًا عاديًا صادرًا من موقع سلطة. فحين يصدر التحدي الشعري عن الطرف الواقع تحت الاحتلال، يعيد توزيع المواقع داخل الخطاب: لا يعود المحتل وحده مالكًا لصيغة الأمر، ولا يبقى الفلسطيني محصورًا في موقع المتلقي. يصبح العنوان نفسه مساحة لقلب العلاقة النفسية، مهما ظل الاختلال المادي قائمًا.

وتشير المصادر إلى أن القصيدة أثارت، مع قصيدة درويش، ردود فعل غاضبة وُصفت بالهستيرية لدى قادة الاحتلال. هذه الاستجابة جزء من دلالة النص السياسية؛ فهي تبين أن المعركة لم تكن حول ألفاظ معزولة، بل حول قدرة القصيدة على رفض الصورة التي تريد القوة فرضها. غضب السلطة من السخرية يكشف حساسيتها تجاه خطاب يسلبها حق الانفراد بوصف الواقع.

لا تحتاج هذه القراءة إلى إعادة نشر مقاطع من القصيدة الحديثة. فالأثر المسجل في المصادر، مقرونًا بموقعها خلال الانتفاضة، يكفي لإظهار انتقال السخرية من التعليق على الحدث إلى المشاركة في تشكيل مناخ المواجهة. هنا لا تنوب القصيدة عن الفعل السياسي، لكنها تعيد بناء الثقة باللغة بوصفها مجالًا لا يستطيع الاحتلال ضبطه كاملًا.

محمود درويش: من خطاب الاحتلال إلى خطاب الدكتاتور

برزت عابرون في كلام عابر في بدايات الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأثارت غضب قادة الاحتلال، كما تشير المادة البحثية إلى استخدامها أداة إدانة ضد محمود درويش. تكشف هذه الواقعة عن مفارقة أساسية: قصيدة تواجه سلطة الاحتلال تتحول، في خطاب تلك السلطة، إلى مادة لمحاكمة صاحبها معنويًا وسياسيًا. وبذلك يغدو الجدل حول النص امتدادًا للصراع الذي يتناوله.

لا يصح، مع ذلك، اتخاذ هذه القصيدة أساسًا لتصنيف درويش شاعرًا ساخرًا بالمطلق. الأدق أن السخرية كانت واحدة من أدواته، يستدعيها حين يحتاج إلى إظهار التناقض أو قلب وجهة الخطاب. وهذا التحديد يحفظ خصوصية النصوص الساخرة من جهة، ويمنع اختزال تجربة الشاعر الواسعة في أداة واحدة من جهة أخرى.

يتضح الاستخدام المكثف لهذه الأداة في مجموعة خطب الدكتاتور الموزونة، التي اعتمدت على المفارقة والسخرية اللاذعة لنقد الاستبداد والأنظمة الشمولية، وكشف التناقض بين ممارسات السلطة والواقع. يجمع العنوان بين الخطب بوصفها لغة سلطة، والموزونة بوصفها إحالة إلى الصياغة الشعرية؛ فتدخل لغة الحاكم إلى القصيدة لا لكي تُمنح شرعية جديدة، بل لكي تُعرض تناقضاتها تحت ضوء الفن.

بهذا الانتقال يتسع موضوع السخرية من مواجهة الاحتلال إلى مساءلة السلطة الاستبدادية من حيث هي بنية خطاب وممارسة. لا تُعامل القصيدة الكلمات الرسمية على أنها وصف محايد، بل تقارنها بما تحجبه. وعندما تتسع الفجوة بين القول والفعل، تصبح المفارقة أقدر من التصريح أحيانًا على إظهارها؛ لأنها تضع الطرفين متجاورين وتترك التناقض يهدم الادعاء.

تكمن هندسة السخرية عند درويش، وفق المعطيات المتاحة، في هذا البناء المزدوج: الكلام يبدو منتميًا إلى قاموس القوة، لكنه يعمل ضد منطقه. ومن هنا تختلف المفارقة الحديثة عن الهجاء الشخصي المباشر؛ فهي لا تكتفي بتسمية العيب، بل تعيد تركيب اللغة التي تنتجه، وتكشف أن الاستبداد يحتاج إلى خطاب منمق بقدر حاجته إلى الممارسة السياسية.

السخرية بوصفها مقاومة نفسية واجتماعية

تلخص عبارة فراس حج محمد الوظيفة العامة لهذا المسار:

السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم لم تكن مجرد فن فكاهي، بل سلاحاً فاعلاً في التعبير عن الرفض، ونقد الواقع، وتحفيز روح المقاومة.

يفصل هذا التوصيف بين السخرية والضحك المجرد. فالمقصود ليس تخفيف الألم بإلغاء أسبابه من الوعي، بل منع الألم من احتكار اللغة. يستطيع الشاعر أن يرى المأساة كاملة، ثم يرفض أن يمنح خصمه الصورة المهيبة التي يريدها. وبذلك تعمل السخرية آلية دفاعية، لا بمعنى الهروب، بل بمعنى حماية القدرة على الحكم والرفض.

للسخرية أيضًا بعد اجتماعي لأنها توسع دائرة النقد. فهي تطال المحتل، لكنها تطال كذلك القيادات المتقاعسة، واللجان السياسية، والدكتاتور. هذا التعدد يمنع خطاب المقاومة من التحول إلى خطاب أحادي يعفي الداخل من المحاسبة. ومن خلال الجمع بين مواجهة الخارج ونقد الواقع السياسي، تحافظ القصيدة على صلتها بالكرامة بوصفها قيمة لا تتجزأ.

ويفسر ذلك ارتباط المراحل الفنية بالتحولات السياسية: من هجاء أكثر مباشرة قبل النكبة، إلى مراحل 1948-1967 و1967-1987، ثم إلى ذروة التوظيف السياسي خلال 1987-1993. لا ينبغي فهم هذا المسار على أنه انتقال خطي يلغي فيه الشكل الجديد ما سبقه؛ فالمباشرة والمفارقة ظلتا قابلتين للاجتماع، لكن نسبتهما ووظيفتهما تغيرتا بحسب موضوع المواجهة.

تضع هذه التجربة الهجاء الفلسطيني ضمن سياق عربي أوسع، مع احتفاظها بخصوصية الاحتلال والتحولات الفلسطينية. ويمكن توسيع المقارنة عبر قراءة ملفات الهجاء في الشعر السوري، والهجاء في الشعر العراقي، والهجاء في الشعر المصري. لا تهدف المقارنة إلى تسوية التجارب، بل إلى ملاحظة اختلاف أهداف السخرية وأشكالها تبعًا للواقع السياسي في كل قطر.

تحول الأداة وبقاء الوظيفة

بدأ الهجاء السياسي الفلسطيني قبل النكبة بصوت صريح يرد على الخصم وينتقد القيادة، كما توضح تجربة إبراهيم طوقان. ثم اتسعت أدواته عبر السخرية من لجان التحقيق البريطانية، وتطورت في العقود اللاحقة إلى مفارقة أكثر تركيبًا بلغت حضورًا سياسيًا بارزًا في تقدموا وعابرون في كلام عابر، ووجدت مجالًا آخر في نقد الاستبداد داخل خطب الدكتاتور الموزونة.

تغيرت البنية الفنية، لكن الوظيفة الأساسية بقيت واضحة: مقاومة اللغة التي تبرر القوة، ورفض الهزيمة النفسية، والإبقاء على حق المجتمع في نقد خصومه وممثليه معًا. لذلك لا تقاس السخرية هنا بمقدار ما تثيره من ضحك، بل بمقدار ما تكشفه من تناقض، وما تسترده للقصيدة من قدرة على تسمية الواقع.

المصادر والمراجع

  1. ديوان إبراهيم طوقان، قصيدة «أُنظر لِماَ فعل المظفَّر إنه».
  2. القدس العربي، «لا سلام ولا شالوم: إبراهيم طوقان يرد على رئوبين»، 6 أكتوبر 2025.
  3. منصة Mîtanî، «السخرية سلاح الأديب: تجليات النقد في الشعر الفلسطيني المقاوم»، 8 أغسطس 2025.
  4. فراس حج محمد، السخرية في الشعر الفلسطيني المقاوم بين عامي 1948-1993.
  5. فراس حج محمد، «عن السخرية مرّة أخرى...»، الأنطولوجيا، 11 يوليو 2024.
  6. فاطمة حسين العفيف، «سخرية درويش في خطب الدكتاتور الموزونة»، مجلة رؤى فكرية، جامعة سوق أهراس، 3 فبراير 2016.
  7. ياسر علي، «إبراهيم طوقان شاعر فلسطين الأول ورائد النهضة الأدبية»، عربي21، 3 يوليو 2021.