لا يظهر الهجاء في بلاد المغرب العربي بوصفه غرضا شعريا ذا صيغة واحدة، بل شبكة من الأساليب والتسميات والوظائف. ففي الملحون أسماء محلية تضبط درجاته ومواضعه، وفي الزجل تصنيف تراثي يميزه من سائر الأغراض، وفي الشعر الحساني نزوع إلى التلميح بدلا من المواجهة الجارحة، بينما أعادت القصيدة الحديثة توجيهه نحو الاستعمار والفساد وعيوب المجتمع.
هذا التنوع يمنع اختزال الهجاء المغاربي في السباب أو الخصومة الشخصية. فالمادة المتاحة ترسم مسارا انتقل فيه القول الهجائي، من دون أن يهجر أشكاله السابقة بالضرورة، إلى مساءلة الواقع العام. كما تكشف المصطلحات المحلية أن شعراء المنطقة لم يكتفوا باستقبال غرض أدبي جاهز، بل صاغوا له مفهوما مرتبطا ببنية القصيدة وطرائق التعبير في بيئاتهم.
ولا تعني الخصوصية انقطاع هذه التقاليد عن المجال العربي. يمكن مقارنتها، مثلا، بمسار الهجاء في الشعر السوري من الزجل الشعبي إلى السخرية السياسية، أو بحضور الزجل والسخرية العامة في الهجاء في الشعر اللبناني. غير أن المقارنة لا تلغي الفروق في المصطلح واللغة والوظيفة الاجتماعية.
جذور متنازع عليها وهوية لا تقبل الاختزال
تختلف المصادر في تحديد أصل الزجل. فبعضها، ومنه ما يُنسب إلى تصور ابن خلدون، يجعل ابتكاره من عمل أهل الأندلس ويربطه بابن قزمان، بينما يؤكد صفي الدين الحلي أن مخترعيه من أهل المغرب العربي، وأنه انتقل منهم إلى الأندلس والمشرق. ولا تسمح المعطيات المتاحة هنا بحسم هذا الخلاف، لكنها تكشف أن تاريخ الزجل نفسه ميدان لتعدد الروايات.
ويمتد الخلاف إلى تصنيف الملحون. يرى بعض النقاد أنه امتداد تطور عن الزجل الأندلسي داخل بيئة المغرب الأقصى، في حين يعده باحثون آخرون فنا مستقلا نشأ في تافيلالت، أو سجلماسة، وله بحوره و«قياساته» الخاصة. لذلك لا يمكن التعامل مع الملحون إما بوصفه نسخة من الزجل وإما بوصفه فنا معزولا عنه من غير عرض موضع الاختلاف.
الأدق أن تُقرأ أشكال الهجاء ضمن ما تثبته تسمياتها ووظائفها. فالملحون يملك معجمه الاصطلاحي، والزجل عرف تصنيفا خاصا للهجاء، والشعر الحساني طور اقتصادا في العبارة الجارحة. وهذه الفروق ليست زينة لغوية، بل قرائن على اختلاف نظرة كل تقليد إلى حدود الخصومة الشعرية وموضعها داخل القول.
الهجاء في الملحون: من «الشحط» إلى «الزرب»
تُكتب قصيدة الملحون بلغة وسيطة، هي دارجة مهذبة تجمع بين الفصحى والعامية وتستعير قدرا من معجم العربية الفصيحة. وبذلك لا يقوم هجاؤها على العامية المبتذلة، كما لا ينتظم في فصحى خالصة. أتاحت هذه المسافة اللغوية للشاعر أن يستخدم الاستعارة والرمز الشعبي، وأن يجعل اللذع جزءا من الصياغة البلاغية لا مجرد تفريغ للغضب.
توضح المصطلحات المحلية مقدار العناية بتحديد الهجاء. يذكر الدكتور جمال بنحدو: «الهجاء برعوا فيه وتفوقوا ويسمونه الشحط والدق عند أهل مراكش وحفظوه... فإن الهجاء يأخذ حيزا من آخر قصائدهم يسمونه بـ'الزرَبْ' يظنون أن به يحمون قصيدتهم من التعرض لها». يجمع هذا النص بين ثلاثة ألفاظ هي «الشحط» و«الدق» و«الزرب»، لكنه يبين أيضا أن الأخير مرتبط بموضع بنائي في خاتمة القصيدة.
يمكن فهم «الشحط» و«الدق» بوصفهما تسميتين محليتين للهجاء، ولا سيما عند أهل مراكش، في حين يدل «الزرب» على هجاء دفاعي طويل يأتي في أواخر بعض القصائد. وتشبيه هذه الخاتمة بزرب من الشوك ينقل الهجاء من معنى الهجوم وحده إلى معنى التحصين؛ فالكلمات الحادة تُقام حول القصيدة كما يقام السياج حول ما يراد حفظه.
تكشف هذه الوظيفة الدفاعية عن تصور لافت للعلاقة بين الشاعر ونصه. القصيدة قابلة للتعرض والمنازعة، والهجاء الختامي إنذار لمن قد يهاجمها أو يخاصم صاحبها. ولا يلزم من ذلك أن «الزرب» كان يحقق حماية فعلية؛ فالاقتباس نفسه يصوغ الأمر باعتقاد أصحابه: «يظنون أن به يحمون قصيدتهم». الأهم أن الحماية أصبحت معنى داخليا في بناء النص.
ومن أبرز رواد الهجاء في الملحون الشيخ محمد باالكبير، صاحب «قصيدة الداعي»، والشيخ محمد الشليح الذي عُرف بقصائده الهجائية اللاذعة، والشيخ التهامي المدغري. ولا يقدم ملف البحث نصوصا شعرية موثقة تصلح للاقتباس من قصائدهم، لذلك تظل الإشارة إليهم محصورة في موقعهم داخل هذا التقليد، من غير اختلاق شواهد أو إعادة بناء أبيات غير متاحة.
تساعد أسماء هؤلاء الشعراء على إثبات أن الهجاء لم يكن ظاهرة عابرة في الملحون، لكن قيمته التحليلية لا تقوم على حدة العبارة وحدها. الأهم هو انتظامه داخل لغة وسيطة، واتخاذه أسماء دقيقة، وارتباط بعضه بموضع ختامي يؤدي وظيفة وقائية. هكذا يجتمع في الملحون الهجوم اللفظي والتدبير البنائي للقصيدة.
«القرقي»: الهجاء في تصنيف الزجل
قدم صفي الدين الحلي تصنيفا للزجل بحسب أغراضه، فقال: «وما تضمّن الهزل والخلاعة والأحماض بُلَيِّقاً، وما تضمن الهجاء والثلب قرقيّاً، وما تضمن المواعظ والحكمة مُكَفَّراً». يضع هذا التقسيم الهجاء والثلب في باب اسمه «القرقي» أو «القرقية»، ويفصله اصطلاحيا عن الهزل والموعظة.
تكمن أهمية هذا التصنيف في أنه لا يعامل الزجل قالبا لغويا محايدا، بل فنا تتفرع داخله أغراض معروفة بأسمائها. وتسمية الزجل الهجائي «قرقيا» تدل على أن الهجاء كان قابلا للتمييز والتعيين داخل الثقافة الأدبية، لا مجرد نبرة قد تتسرب عرضا إلى النص.
وثمة صلة دلالية بين «القرقي» من جهة، و«الشحط» و«الدق» من جهة أخرى: كلها ألفاظ تمنح الهجاء هوية محلية أو فنية. لكن لا ينبغي مساواتها بلا دليل؛ فـ«القرقي» وارد في تصنيف قديم لأغراض الزجل، أما المصطلحات الأخرى فمرتبطة بالملحون وبيئته المغربية، و«الزرب» يحدد فوق ذلك موقعا ووظيفة دفاعية.
يعود هنا الخلاف في علاقة الملحون بالزجل. فإذا عُد الملحون تطورا مغربيا للزجل الأندلسي، بدت المصطلحات الجديدة دليلا على إعادة تشكيل الغرض داخل بيئة أخرى. وإذا عُد فنا مستقلا نشأ في تافيلالت، غدت هذه المصطلحات شاهدا على نظام فني خاص. وفي الحالين تبقى الخصوصية ثابتة، وإن اختلف تفسير منشئها.
وتفيد المقارنة مع تجارب عربية أخرى في ملاحظة أن الزجل قد يجاور السخرية العامة أو ينتقل إلى المجال السياسي، كما توحي دراسة الهجاء في الشعر المصري من العامية إلى القصيدة السياسية. غير أن التجربة المغاربية تتميز، ضمن المادة المتاحة، بتراكم أسماء اصطلاحية تصف الغرض نفسه وتحدد بعض وظائفه.
الشعر الحساني وأخلاق التلميح
يقدم الشعر الحساني في جنوب المغرب وموريتانيا وجها مختلفا للهجاء. فالمادة البحثية تشير إلى ندرة الهجاء المباشر الفاحش، وإلى ميل الشعراء نحو التلميح واستخدام الرموز تجنبا للكلام الجارح ونهش الأعراض. ليست المسألة، إذن، غيابا مطلقا للهجاء، بل تقييدا لطريقة أدائه.
يغير التلميح طبيعة العلاقة بين الشاعر والمتلقي. فبدلا من تسمية العيب بعبارة مكشوفة، يُترك للسامع أو القارئ أن يستدل عليه من الرمز والسياق. وبهذا تنتقل قوة الهجاء من صدمة اللفظ إلى عملية الفهم، إذ تصبح الدلالة الحادة كامنة فيما لا يقال مباشرة.
لا يعني هذا الأسلوب أن النقد أقل أثرا بالضرورة، ولا يمكن الجزم بدرجات تلقيه من المادة المتاحة. لكنه يدل على وجود حد أخلاقي واجتماعي للكلام: يستطيع الشاعر أن يلمح إلى موضع الاعتراض، مع تجنب الانزلاق إلى التجريح الصريح أو الاعتداء على الأعراض. والبلاغة هنا وسيلة ضبط بقدر ما هي وسيلة تعبير.
ويكشف الفرق بين «الزرب» الملحوني والتلميح الحساني عن استجابتين للخصومة. الأول يحيط القصيدة بسياج لفظي دفاعي في خاتمتها، والثاني يخفف المواجهة المباشرة بواسطة الرمز. كلاهما يعترف بقوة القول الهجائي، لكن أحدهما يستثمر حدته للحماية، بينما يعمل الآخر على كبح الجرح من غير إسكات النقد.
القصيدة الحديثة: من الخصومة إلى النقد العام
شهدت القصيدة المغاربية الحديثة في الجزائر والمغرب وتونس تحولا في غرض الهجاء. فبعد أن ارتبط بالسباب الشخصي والقبلي، اتجه إلى نقد الاستعمار والفساد والتخلف وعيوب المجتمع. ولم يكن التحول تخليا عن الهجاء، بل تغييرا في موضوعه والجهة التي يستهدفها.
يلخص الدكتور عبد القادر القط هذا المسار بقوله: «انتقل الشعر من السباب الشخصي والقبلي، وصار نقدا سياسيا واجتماعيا ينقد السياسة الاستعمارية وعيوب المجتمع ويصور مشاكل الأمة». يحدد الاقتباس قطبين: هجاء يركز على الفرد والقبيلة، ونقد يتناول السياسة الاستعمارية والبنية الاجتماعية ومشكلات الجماعة.
يتغير الضمير الأخلاقي للهجاء مع هذا الانتقال. فالعيب لم يعد خاصية تُلصق بخصم شخصي وحسب، بل خللا عاما يمكن مساءلته: استعمار يفرض سلطته، أو فساد يضرب المجال السياسي، أو تخلف وعيوب اجتماعية تعرقل المجتمع. بذلك يغدو الهجاء أداة تشخيص، لا مجرد وسيلة لتقليل شأن المنافس.
ولا تفيد صيغة «الانتقال» أن الأشكال الشخصية والقبلية اختفت تماما؛ فالمادة المتاحة تثبت تحول الاتجاه ولا تثبت انقراض ما سبقه. الأدق وصف الهجاء الحديث بأنه أعاد ترتيب أولوياته، وصار أكثر اتصالا بالقضايا السياسية والاجتماعية، أي بما يمكن تسميته الهجاء الملتزم.
يقرب هذا المسار القصيدة المغاربية من تجارب عربية وظفت السخرية في مواجهة السيطرة والواقع السياسي، ومنها المسار الذي تعرضه دراسة الهجاء في الشعر الفلسطيني. لكن السياق المغاربي المحدد هنا يرتبط ببلدان الجزائر والمغرب وتونس، وبالتحول من السباب الشخصي والقبلي إلى نقد الاستعمار والفساد والتخلف.
تترتب على هذا التحول نقلة في صورة المخاطب أيضا. فالقصيدة السياسية والاجتماعية لا تتوجه بالضرورة إلى خصم فردي معروف، بل قد تواجه سياسة أو ظاهرة أو عيبا جماعيا. وعندما يتسع الهدف، تتسع وظيفة الهجاء: يصبح وسيلة لتكوين موقف من الواقع، وتصوير مشكلة عامة، وربط الغضب الشعري بمصير الجماعة.
اللغة والصورة وحدود القول الجارح
تجمع الأشكال المدروسة بين وسائل فنية مختلفة، لكن اللغة الوسيطة في الملحون تظل أبرز معطى لغوي صريح في ملف البحث. فهي تمنح الشاعر مجالا يصل الفصحى بالدارجة المهذبة، ويستفيد من الاستعارات والرموز الشعبية من غير أن ينحدر حتما إلى الإسفاف. وهذا التركيب يناسب الهجاء لأنه يوازن بين وضوح الاعتراض وكثافة الصورة.
أما الصورة الأبرز في المصطلحات نفسها فهي صورة «الزرب». فالهجاء ليس هنا ضربة موجهة إلى الخارج فقط، بل شوك يطوق النص. وتكشف الاستعارة عن وعي بأن القصيدة تدخل مجالا من التنافس والتعرض، وأن نهايتها قد تؤدي عملا يتجاوز إغلاق المعنى إلى ردع الخصومة المتوقعة.
وفي الشعر الحساني يقوم الرمز بوظيفة مغايرة. لا يرفع جدارا دفاعيا حول القصيدة، بل يضع مسافة بين الحكم والعبارة الجارحة. ويصبح الحذف أو الإيحاء جزءا من البنية الأخلاقية للنص: يعرف المتلقي موضع النقد، لكن الشاعر لا يصرح بكل ما قد يمس العرض أو يفاقم الأذى.
لا يقدم ملف البحث تفاصيل كافية عن الأوزان والإيقاعات التي يستعملها الهجاء في كل تقليد، ولذلك لا يصح اختلاق أوصاف عروضية دقيقة. وما يمكن إثباته أن الباحثين المختلفين في تصنيف الملحون يشيرون إلى بحوره و«قياساته» الخاصة عند الدفاع عن استقلاله، وأن بنيته اللغوية والمصطلحية تميزه في مجال الهجاء.
تسمح هذه الخصائص بتمييز البلاغة الهجائية من الشتيمة المباشرة. فالتسمية الفنية، والموقع الختامي، والاستعارة، والرمز، والتلميح كلها تحول الاعتراض إلى بناء شعري. ولا يلغي ذلك احتمال الأذى في الهجاء، لكنه يبين أن تقاليده المغاربية احتوت أيضا على آليات لتنظيم الحدة أو تأويلها أو الحد منها.
الهجاء بوصفه وثيقة اجتماعية وتاريخية
تكشف أسماء الهجاء عن أكثر من تاريخ أدبي. «الشحط» و«الدق» يثبتان محلية الاستعمال، و«الزرب» يصور حاجة القصيدة إلى التحصين، و«القرقي» يضع الهجاء داخل تصنيف للأغراض، أما التلميح الحساني فيكشف حساسية تجاه الكلام الجارح ونهش الأعراض. ومن اجتماعها تظهر مواقف متعددة من سلطة الكلمة.
وتوثق القصيدة الحديثة تحولا آخر في مصدر التوتر. كانت الخصومة الشخصية والقبلية في صدارة الهجاء القديم وفق الصياغة النقدية المتاحة، ثم برزت السياسة الاستعمارية والفساد والتخلف ومشكلات الأمة. وبذلك أصبح تغير موضوع الهجاء قرينة على تغير ما يعده الشاعر خطرا يستحق المواجهة.
لكن قراءة الهجاء وثيقة اجتماعية تحتاج إلى الحذر. فالقصيدة لا تقدم وصفا محايدا للواقع، بل موقفا مصوغا بلاغيا، وقد تضخم العيب أو تكثفه لتؤدي غرضها. لذلك تفيد في كشف طبيعة الخصومات والقيم والحدود الأخلاقية، لا في إثبات كل حكم يورده الشاعر على خصمه.
من جرح الخصم إلى كشف الخلل
يختصر الهجاء المغاربي حركة مزدوجة: تخصيص محلي للأشكال، وتوسيع تاريخي للوظائف. فقد منحه الملحون أسماء وصورة دفاعية، وحفظ له تصنيف الزجل اسم «القرقي»، وجعل الشعر الحساني التلميح حاجزا أمام الفحش، ثم وجهته القصيدة الحديثة إلى الاستعمار والفساد والتخلف.
لا تستقيم قراءة هذا التراث إذا اختُزل في السباب، ولا إذا نُزعت منه حدة الخصومة. قيمته أنه يكشف كيف تفاوضت تقاليد شعرية مختلفة مع قوة الكلام: مرة بالسياج، ومرة بالرمز، ومرة بتحويل الهجاء من جرح شخص بعينه إلى فضح خلل سياسي أو اجتماعي.
المصادر والمراجع
- جمال بنحدو، «موضوعات الملحون»، Le collimateur، 18 يونيو 2022.
- صفي الدين الحلي، «العاطل الحالي والمرخص الغالي».
- محمود سالم محمد، «أنواع الزجل الشعبي في العصر المملوكي»، شبكة الألوكة، 19 فبراير 2017.
- هيئة التحرير، «الهجاء في الشعر الحساني»، الصحراء 24، 1 أغسطس 2013.
- «الإتجاه الوجداني في الشعر الجزائري الحديث والمعاصر»، بحث أكاديمي، 2019.
- عبد القادر القط، «الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر».
- أحمد قيطون وفايزة بن عمور، «فنيّة أهاجي المدن والأقاليم في الشعر المغربي القديم»، مجلة الأثر، 30 سبتمبر 2016.



